حذرت وزيرة الصحة الفنلندية د. رونى كيلد من مؤامرة أمريكية استخدمت حملة إعلامية ضارية لنشر الرعب من أنفلونزا الخنازير بقصد إجبار دول العالم على تطعيم مواطنيها وقالت أن الطعم المنتج لم تتح له الفرصة لإثبات عدم خطورته على صحة الإنسان ولا أحد يعلم ماذا سيحدث للناس بعد عام أو عامين أو عشرين عاما من التطعيم ، وحددت مخاوفها من العقم والسرطانات والأمراض العصبية القاتلة مثل متلازمة جيليان بار العصبية التى بدأت فى الظهور على المطعمين
.
اتهمت الوزيرة فى معرض حديثها شركات الأدوية الأمريكية بالضغط على منظمة الصحة العالمية لإعلان وباء أنفلونزا الخنازير كوباء خطير يجب استعمال التطعيم ضده من جانب جميع سكان الكرة الأرضية ، كما أعلنت عن شكوكها وشكوك حكومة فنلندا فى أن هناك أغراض غير طبية وراء الحملة تتمثل فى محاولة الإثراء غير المشروع من جانب شركات الأدوية المنتجة للطعم الذى وصفته بأنه قاتل أو على أقل تقدير يسبب أمراضا مستعصية ، ولذلك أوقفت حكومتها إعلان المرض كوباء خطير كما أعلنت مقاطعة حملة التطعيم باعتبار الطعم غير آمن ، بينما وصفت الحديث عن خطورة المرض نفسه بأنه هراء
.
واتهمت الوزيرة كل من رامز فيلد وزير دفاع بوش ، وهو مالك لإحدى شركات الأدوية ، وهنرى كيسنجر مستشار الأمن القومى الأمريكى السابق باعتناق نظرية تهدف إلى التخلص من أكبر عدد ممكن من سكان الأرض "ممن ليس لهم لزوم" على سطح الكوكب لتسهل السيطرة عليه ، وقالت إن سياسة إجبار الناس على التطعيم وتحديد الأولوية فى التطعيم للأطفال والحوامل ستؤدى إلى انقراض الجنس البشرى بقتل الأجيال القادمة ، وأبدت الوزيرة اقتناعها التام بأن هذا هو الهدف النهائى لمن يقف وراء هذه الحملة
.
نصحت الوزيرة الجمهور بعدم الانصياع إلى حملات التطعيم خاصة أن الحكومة الأمريكية قد ضمنت نصا قانونيا يحمى شركات الأدوية من أية مسئولية فى حال حدوث مضاعفات من التطعيم وأن هذا الاتجاه للتنصل من المسئولية قد سرى إلى جميع الحكومات والهيئات القائمة بالتطعيم حيث تطالب المتطعم بالتعهد بأنه يأخد الطعم على مسئوليته الشخصية
انتظرت قليلا حتى تهدأ الأمور ونرى ماذا سيحدث على مستوى الشعوب والحكومات بعد مهزلة مباريات مصر والجزائر فى كرة القدم
لكن شيئا لم يحدث .. ترك الأمر على ما هو عليه من عداء مصطنع ومقاطعة غير مفهومة للاقتصاد والإعلام والفنون والرياضة ، وهدم بكل طريقة للعلاقات السوية بين الدول والشعوب ، ولا أى محاولة للإصلاح ..
ولا أدرى ماذا تريد شعوب هذه المنطقة المنكوبة بخلافاتها المزمنة حتى فى كرة القدم
غريب أمر هؤلاء القوم
إن قلت نحن عرب ، تجد من يقول لا ، نحن أمازيج أو نحن أشوريون أو أكراد ، أو نحن أفارقة أو فراعنة أو أقباط
وإن قلت نحن مسلمون تجد من يقول لا ، نحن مسيحيون ، أو بهائيون ، أو نحن يهود أو ملاحدة
وإن قلت شرقيون تجد من يقول لا نحن أفارقة أو نحن مغاربة
وهكذا .. متى أردت أن توحدهم فى كيان كبير اعترضت فئات لا تريد أن تنتمى إلى أى كيان غير ذاتها
وبعد أن تكونت دول المنطقة بشكلها الحالى خلال القرن العشرين وزال عنها الاحتلال الأجنبى دخلت فيما بينها فى مقاطعات وتوترات وصلت حد القتال والحرب
حتى داخل هذه التصنيفات تجد التناحر والتطاحن ، السنة فى حرب مع الشيعة ، وكنيسة تنقلب على كنيسة ، وجنوبيون يتمردون على الشمال ، وشماليون يريدون الانفصال
وداخل الكيان السياسى الواحد تمزق الحروب الأهلية البلاد فى لبنان والعراق واليمن والجزائر والسودان والصومال وفلسطين
.
ماذا يريد هؤلاء الناس؟
ألا يعيش كثير منهم فى بلاد بعيدة مهاجرين ينتمون إليها بكل رضا رغم علمهم ومعايشتهم لكونهم أقليات لا وزن لها فى بلاد المهجر؟
هل الاندماج فى مجتمعات غريبة جميل ولذيذ بينما الاندماج مع أقرب الناس إليهم جريمة أو عار؟
ألن تفيق هذه الشعوب من سفه التعصب لأى شيء دون عقل أو عقال
ألن تفيق من ترف الخلاف بينما يعيش معظمها تحت خط الفقر ويئن تحت وطأة الجهل والمرض
ألا يشعر المتمردون بحاجتهم إلى كيان أقوى وأكبر يصطلحون فى ظله ويستطيعون العيش فيه بسلام
ألا يستطيعون التحدث إلى الغير بدلا من مهاجمته ومصالحته بدلا من مصادمته ومعايشته بدلا من محاربته خاصة إذا كان لا يبادلهم العداء ولا يبدأ به؟
ولما نذهب بعيدا عن كرة القدم وهى سبب هذه الفضيحة الشعبية والإعلامية والسياسية ، كيف إذا أراد كل لاعب اللعب "لوحده"؟ هل يمكن أن يستقل لاعب عن بقية اللاعبين؟ هل يمكن أن تنجز فرقته شيئا فضلا عن الفوز؟ هل يمكن أن ينتمى إلى نفسه فقط وينكر أنه عضو فى فريق؟ يعنى اللعبة جماعية ولا يمكن أن تكون غير ذلك
.
إن الحديث عن "حقوق" للأقليات هو حديث مشروع ولا يشكل مشكلة كبيرة للوطن الأم ، لكن هذه الفئات تصطدم بمجتمعاتها اصطداما حادا وعدائيا بشكل غير مفهوم ولا مقبول وهو ما ليس فى مصلحة أحد ، لا الأقليات ولا الأغلبيات ، المستفيد الوحيد من هذه الفرقة المخجلة هو أعداؤهم خارج المنطقة أو خارج الثقافة أو خارج المصالح المشتركة بينهم
على الحكومات أيضا احترام حقوق جميع مواطنيها حتى لا يكون اليأس مدعاة للتمرد والاستعانة بالقوى الخارجية محفزا للانشقاق
نحن نرى كيف تتعامل الصين واليابان والهند وروسيا وألمانيا مع أميركا وشرق أوربا مع غربها مع اختلاف ثقافاتهم وحضاراتهم
.
يقول المثل الشعبى " اللى مالوش كبير يشترى له كبير" وهذه حكمة قديمة مغزاها أن الإنسان لوحده لا يستطيع العيش بسلام مهما بلغت قوته إذ لابد له من دعم ما أوانتماء يكفل له هوية محترمة ، ولكن الانتماء والارتماء إلى كيانات خارج المنطقة يهدد جميع من فيها ولا يؤدى إلا إلى التدمير أو العبودية
ماذا تريد هذه الحركات الانفصالية غير تفتيت الأمة الكبيرة إلى دويلات صغيرة وكيانات ضعيفة يسهل ابتلاعها بل ومحوها إذا أراد أعداؤها ، ولن تحقق آمال الانفصال غير التشرذم والتشرد والضعف والهوان
إنها خطوات للخلف لن تجلب غير التخلف أكثر وأكثر
ولنر كيف نهضت الأمم عبر التاريخ .. هل نهضت أمة بانفصالها عن كيان كبير؟ أم أن الحضارات الكبرى قامت فقط بتوحيد الشعوب؟
لقد كتبت سابقا فى هذا الموضوع مقالا مختصرا ردا على إشاعات تم تداولها عبر وسائل الإعلام بخطورة لقاح أنفلونزا الخنازير على الحياة وصلتنى رسالة مستفيضة وصرخة عالية تجعلنى مضطرا إلى معاودة الكتابة فى نفس الموضوع مع الإشارة إلى كل ما جاء فيه وبيان ما احتواه من الأمور المنطقية وغير المنطقية بهدف الوصول للحقائق والتعامل بها وليس نشر الرعب أو الفوضى وهنا تعليق أولى على هذا المقال سيتبعه قريبا تعليق مفصل
أولا: لابد من الموازنة بين خطر اللقاح وخطر المرض فأنت إن امتنعت عن تناول اللقاح سلمت نفسك إلى المرض.. هذه حقيقة
ثانيا: اللقاح المتوافر حاليا تم إنتاجه فى أكتوبر 2009 لأول مرة ، والقصص الواردة فى هذه الرسالة عن خطورته كلها تروى عن أحداث سابقة لهذا التاريخ .. وهذه حقيقة تعترف بها الرسالة ومقالاتها
ثالثا: لا تصدق كل ما يقال لك .. هذه حكمة استخدمها كاتبو المقالات الواردة فى الرسالة للتشكيك فى اللقاح ، ويمكن اتباعها نفسها للتشكيك فى الرسالة التى تحث الناس على تسليم أنفسهم للمرض عوضا عن تناول اللقاح ، ويجب ملاحظة أنه لم تحدث وفيات من اللقاح لكن حدثت وفيات من المرض
رابعا: الحديث عن الأعراض التى تحدث بعد سنة من تناول اللقاح مردود عليه بخمس حقائق
الأولى أن الروايات المستشهد بها لم تحدث مع هذا اللقاح وإنما مع لقاحات أخرى كما أوردنا سابقا الثانية أنه لم يمر على إنتاج اللقاح واستخدامه إلا أسابيع قليلة الثالثة اعتراف الرسالة بوجود لقاح آمن غير هذا الذى تحذر منه الرابعة أن اللقاح الجديد لا يحتوى على مادة السكوالين! ، وصحيح أنه يحتوى على مادة الثايمرازول لكنها مادة حافظة لم يثبت تسببها فى أى مرض الخامسة أن كاتبو المقالات الواردة لا يمتلكون معامل ولا مختبرات ولم يقوموا بإجراء أية تجارب معملية أو إكلينيكية لإثبات أو نفى أى شيء بالطرق العلمية
خامسا: "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" صدق الله العظيم
أخبار التطعيم - تم إنتاج اللقاح ضد أنفلونزا الخنازير بنوعيه ، الحقن والبخاخ الأنفى ، وتم ترخيصه بواسطة إدارة الأغذية والدواء الأمريكية - اشترت الحكومة الأمريكية 250 مليون جرعة من اللقاح وبدأ التطعيم خلال أكتوبر - الأطفال تحت العشر سنوات يحتاجون إلى جرعتين بينهما 4 أسابيع ، بينما يحتاج الأكبر سنا إلى جرعة واحدة - سيتم توزيع اللقاح على مراكز التطعيم والمستشفيات الحكومية ، المستشفيات الخاصة ، المدارس ، الصيدليات (فى الولايات المتحدة الأمريكية) - يمكن تطعيم أى شخص بأمان طالما لا يعانى من حساسية ضد البيض - الأولوية للأطفال الصغار والمخالطين لهم والحوامل والعاملين بالصحة - يحذر المركز الأمريكى للأمراض من الاعتماد على أية منتجات فى هيئة حبوب أو مشروبات أو أغذية كبديل وقائى حيث لم لم تثبت فائدة أى منها - قامت منظمة الصحة العالمية بحملة تبرعات لجمع 200 مليون جرعة من اللقاح سيتم توزيعها على الدول النامية التى لا تنتجه بهدف تغطية 10 % من السكان ، وستبدأ الإمدادات الأولى من نوفمبر 2009 حتى فبراير 2010 - تنصح منظمة الصحة العالمية كافة الدول بتنفيذ حملات قومية للتطعيم وأن تكون على اتصال بالمنظمة وبمصادر التصنيع للحصول على احتياجاتها من اللقاح - مجموع الإمكانيا ت العالمية المتاحة قادرة على إنتاج 3 بلايين جرعة من اللقاح سنويا (تكفى نصف سكان الكرة الأرضية)
ملاحظات حول العلاج - هناك عقاران للعلاج من أنفلونزا الخنازير يعملان بنفس الطريقة وهما حبوب "تامى فلو" و بودرة استنشاق "ريلنزا" - توصى منظمة الصحة العالمية بتناول العلاج مبكرا (مرتان يوميا لمدة خمسة أيام) ودون انتظار لنتيجة التحليل للحصول على أفضل النتائج ولتفادى حدوث المضاعفات - عقار تامى فلو أفضل تأثيرا ويجب تناوله طالما توفر ، العلاج الآخر يمكن تناوله فى حال عدم توفر الأول
بكل ما أوتيت النفس من إيمان أتقبل قضاء الله وأمره فى روح كريمة .. روح أمى الغالية ..
أنظر إلى مشوار حياتها وأتعجب .. كيف كانت تحيا هذه السيدة لأجل الآخرين وتعمل أكثر مما تعمل لنفسها .. كم مدت يد العون إلى الناس ، الأقربون والأبعدون ، وكم كانت تتذكرهم فى المناسبات وغير المناسبات .. كم ساعدت وكم ضحت ، وكم ابتسمت فى الوجوه وكم مسحت من دموع ، وكم ربتت على الأكتاف وكم تربت من خيرها أكتاف
كم قرأت من قرآن وكم صلت من صلوات وأخرجت من صدقات
كم فى حماها تربى صغار وكبار ، وكم فى ظلها احتمى أبرار وكم بحكمتها أخجلت أشرار
أسدل الستار أمس على حياة الفاضلة المناضلة إحسان عبد الرحمن .. اسم يعرفه كثيرون .. بين أسمائهم أجيال وفى أولادهم كتبت قصائد وأشعار بخطها الجميل وذوقها الراقى الأصيل
عاصرت إحسان عبد الرحمن أجيالا عديدة وشهدت متغيرات كثيرة فى المجتمع المصرى ، كانت فى مقدمة مسيرة تعليم المرأة فى مصر ونشرت الصحف صورتها تحت عنوان " الأولى على مدارس معلمات القطر المصرى .." وترقت فى سلك التربية والتعليم تربى وتساهم فى الحركة التعليمية الكبرى التى بدأت فى الخمسينات ثم تقلدت عدة مناصب وشاركت فى الحركة الاجتماعية والسياسية فى مدينة الإسكندرية فى الستينات
فى نطاق أسرتها كانت أختا لثلاثة أولاد هى أكبرهم سنا ، فقدت والدها مبكرا وتعاونت مع والدتها على تنشئة إخوتها حتى أكملوا تعليمهم ثم تزوجت من شخصية سكندرية معروفة هو الأستاذ محمد عفيفى ومضت معه فى رحلة عمر طويلة يظلها المحبة والتعاون وإلإخلاص
لها أربعة أولاد وثمانية أحفاد وهناك غير هؤلاء كثيرون اعتبرتهم أبناءها وأحفادها وعاملتهم بالمثل
كنت طفلا فى الثالثة من عمرى عندما اصطحبتنى أمى إلى المدرسة لأول مرة ، كنت أحضر كضيف غير مقيد ، بنهاية العام كنت قد تعلمت القراءة والكتابة ، فى العام التالى أرادت أن تلحقنى رسميا بإحدى المدارس لكن صغر السن كان عائقا صعبا ، فألحقتنى بمدرسة أزهرية كانت تقبل صغار السن أنعم الله على فيها بحفظ القرآن الكريم ، ثم جاء الصف السادس لنفاجأ بعدم قبولى للتقدم لاختبار الشهادة الابتدائية لصغر السن ، فقررت إلحاقى بمدرسة إعدادية خاصة تتغاضى عن شرط السن وتعقد اختبارا خاصا للقبول ، كان على اجتياز الاختبار وكان عليها تدبير المصروفات .. مر العام الأول بسلام إلى أن أعلنت النتيجة .. ذهبت إلى المدرسة متشوقا لرؤية اسمى ولأفرح والدى بالنتيجة ، لكنى لم أجد له أثرا ، لا فى كشوف الناجحين ولا فى كشوف الراسبين! وقفت حائرا أمام باب المدرسة المغلق لا أدرى ماذا أقول لأهلى .. اكتشفت وجود إعلان صغير بعيد يقول "طلبة ناجحون بتفوق ويعيدون السنة لصغر سنهم ..وتحتها اسمى !" قرأتها وأنا لا أكاد أصدق .. علمت أمى بالخبر ولم تسكت ، وصل الأمر للوزير .. انتهت الأجازة الصيفية وأدخلت رغم أنفى للصف الأول مرة أخرى لكن طبعا مصاب باكتئاب حاد .. ذات يوم بعد شهر من بدء الدراسة سمعت دقات على باب الفصل لا أنساها .. ثم ظهر وكيل المدرسة ليقرأ على أستاذ الفصل قرارا من وزير التربية والتعليم بنقل الطالب الذى هو أنا من الصف الأول إلى الصف الثانى الإعدادى .. كانت فرحة كبرى ونقلة كبيرة تعلمت منها دروسا كثيرة .. أهمها لا تيأس ..
جاء امتحان الثانوية العامة .. خذلنى المجموع فلم يمكننى من دخول الكلية التى أرغبها .. صرحت لأسرتى برغبتى فى إعادة السنة وإننى على ثقة من الحصول على مجموع أكبر ، لم يتحمس أبى كثيرا لهذا الرأى ونصحنى بأن أدخل الجامعة من أى باب وأنه بإمكانى إثبات تفوقى فى أى مجال ، ثم حذرنى من مغبة ضياع الفرصة إذا لم تأت الإعادة بما تشتهى السفن ، وقال إن أصررت على ذلك فلتحجز لك مكانا فى الجامعة وتنتظم فى الدراسة وفى نفس الوقت تجهز نفسك لإعادة الامتحان فإن خيرا تركت ذلك وإن لم تستطع فلن تفوتك الفرصة الحالية
سألتنى أمى عن رأيى فيما قال أبى .. قلت لها بصراحة أخشى أن تشغلنى الجامعة عن الإعادة وأنتهى إلى نفس الموقف .. ثم إننى أعلم موضع الضعف وسأعمل على علاجه لكن هذا يحتاج لتفرغ .. قالت: " أنا معك .." ثم وجهت كلامها إلى أبى قائلة: "دعه يفعل ما يشعر أنه يستطيع فعله .. هو يشعر أن هذه النتيجة لا تعبر عن مستواه الحقيقى وسوف يعمل من أجل إثبات مستواه ، فقط يحتاج فرصة ثانية .." قبل أبى كلامها وتم لى ما أردت
انتهيت من الجامعة لأدخل فى دوامة جديدة .. هذه المرة أريد السفر للخارج .. أبى ينصحنى بالسفر للعمل فى الخليج .. لكن فى رأسى أفكارا أخرى .. الخارج عندى معناه أوربا .. أمريكا وليس الخليج .. للدراسة العليا واكتساب خبرات متقدمة .. لكن هذا يتكلف أموالا طائلة .. عملت بنصيحة والدى بعض الوقت و جمعت بعض المال لكنه غير كاف ، لابد من دعم ما .. مرة أخرى تطمئننى أمى .. تجاهد لتوفر المال وترسل لى الدولارات رغم الغلاء المستمر ..
عدت بعد دراستى للعمل فى الخليج .. وددت أن أرد دينى .. لكنها لم تقبل .. " أنت تحتاج للمال أكثر منا .. مازال أمامك الكثير .. "
جمعت مالا أكثر أرسلته إلى أمى .. ماذا فعلت به؟ بنت لى سكنا خاصا ..
هكذا كان دعمها وهكذا مكنتنى من التفرغ لتخطيط مستقبلى وهكذا تمكنت من الاستقرار فى حياتى بحيث أكون أقرب ما يمكن إلى ما أحب وأرضى ..
رحمك الله يا أمى .. كنت خير معين لى .. ولولاك لما حققت شيئا يذكر
ليس هذا فقط ما أذكره لأمى .. أذكر ابتسامتها وبشاشتها ، وأذكر خطها المنمق فى رسائلها وأشعارها ، وأذكر صوتها الجميل تغنى لى وأنا طفل صغير أغنية أم كلثوم "مصر التى فى خاطرى وفى فمى .. أحبها من كل روحى ودمى .."
أذكرها فى شم النسيم من كل عام تجمع من تستطيع من الأقرباء لكى نقضى اليوم معا على شاطئ البحر .. وكلما زاد عددهم ازادت فرحتها بهم وبجلساتهم وأحاديثهم .. تعد لهم ما استطاعت من الأطباق الشهية وتطمئن إلى مناسبتها لكل الأذواق
أذكر كيف كانت تدبر ميزانية للمصيف كل عام حتى ترفه عن الأسرة عناء طول العام
ثم كيف استطاعت أن تشترى أرضا وتبنى عليها طابقا طابقا حتى أمنت سكن أولادها جميعا
أذكر كيف كان يزورها أناس لا حصر لهم ، كلهم ممتنون لها بجميل أو معروف
كيف كانت تعد الطعام الفاخر فى منزلها للمرضى فى المستشفيات المتواضعة
كيف كانت تتحدث عن أبى بفخر فى كل مناسبة ، وكيف حزنت يوم وفاته ..
أذكرها تجمع أولادى فى الأعياد لتمنحهم "العيدية" .. وتشترى لهم شهادات استثمار كل منهم باسمه ..
وتستعد فى شهر رمضان بما مكنها الله فيه من خير .. توزع الطعام والهدايا على البسطاء ، ثم إذا جاء عيد الأضحى أعدت لكل صاحب نصيب نصيبه ووزعته فى هدوء
وبحلول العام الدراسى لا تنسى أن تجمع ما استطاعت من الكتب ولوازم المدرسة والملابس توزعها على من يحتاج
وما تعلمته من أمى لا حصر له .. من أول القراءة والكتابة حتى كيفية التعامل مع الناس
كانت تدعونى إلى المطبخ لتشرح لى كيفية إعداد الطعام وتقول .. يوما ما ستكون بمفردك وسيكون عليك إعداد طعامك بنفسك
ثم عندما جاء الوقت الذى أصبحت فيه وحدى لم تتركنى ، فى كل رسالة وصفة جديدة وأكلة جديدة حتى استطعت أن أكون من رسائلها كتابا فى أصول الطهى!
لم تكن أمى طاهية ماهرة فقط تعد أصنافا رائعة من الوجبات ، كانت تقريبا تملك مصنعا فى منزلها للصناعات الغذائية ، مربات من كل الفواكه ، زبادى صناعة منزلية ، بسكوتات وحلويات ، عصائر طازجة ، مخللات أشكال وألوان ، وكانت إذا أرادت تعلم شيء جديد أحضرت له متخصصا يقوم بتحضيره وتعليمها فى نفس الوقت ، كما كانت لها موائد خاصة اشتهرت بها ، فهذه مائدة بحرية ، أى عليها أصناف شتى من السمك والمأكولات البحرية ، وتلك مائدة لحوم ، ومائدة خضروات ومائدة محشيات إلى آخره .. حتى الخبز كانت تعده أحيانا فى المنزل ، بأنواعه ، البلدى والشامى والتوست ..
أكثر من ذلك كان فى بيتنا مصنعا صغيرا للصابون ، تشترى لوازم التحضير وتمزج المزيج ثم تنتظر ليجف قليلا فتبدأ بتقطيعه فى قوالب صغيرة فى صبر كبير
كانت أمى رائدة فى تحديث المنازل وأسلوب المعيشة .. وكانت قريباتها ومعارفها من السيدات ينظرن إلى كل خطوة تخطوها فى تحديث منزلها فيحذون حذوها .. فهى من أوائل من أدخل الثلاجات والغسالات الكهربائية ومواقد الغاز والراديو والتليفزيون إلى المنازل ، وكانت تحرص على تغيير الأثاث بين الحين والآخر ، بل وتغيير السكن نفسه كلما أمكن ..
ذات يوم جاء إلى منزلنا رجل وامرأة .. قالوا نحن أولاد فلان .. كان فلان هذا يمتلك عمارة سكنية بجوار فندق شيراتون وكانت أمى تستأجر فيها شقة للمصيف .. وعندما أكرمنا الله ببناء منزل خاص بالقرب من شاطئ البحر لم نعد فى حاجة إليها .. كانت قيمة الشقة قد ارتفعت كثيرا وكان المتبع أن يدفع المالك جزءا كبيرا من قيمة الشقة حتى يستطيع استردادها حيث أن القانون لا يعطيه هذا الحق .. أخبر الضيفان أمى بأنهم فى حاجة لتلك الشقة وتوقعا أن تطلب أمى مبلغا كبيرا مقابل التنازل عنها .. ماذا فعلت أمى؟ استأذنت منهم لتعود بعد دقائق وفى يدها مفتاح الشقة قائلة .. "أصحابها أولى بيها" .. سألتها السيدة: "طلباتك؟" أجابت أمى: " لا شيء" ما دمتم أنتم فى حاجة إليها ولا أحتاج أنا إليها فلأكتب لكم الآن التنازل منى عن العقد ولن أطالبكم بأى شيء .. وشكرا لله الذى منحنى بيتا جديدا وغدا قد يقف أبنائى نفس الموقف فلعلهم يجدون من يستجيب ." عقدت الدهشة لسانيهما لكنهما أدركا أنهما أمام نموذج مختلف من البشر ، حياها بأطيب تحية ثم انصرفا غير مصدقين!
الفاتحة لك يا أمى .. شملك الله تعالى برحمته وتقبل طيب أعمالك وطيب روحك وصفاء نفسك وإيمانك الجميل ، وأدخلك أفضل جناته إنه سميع عليم
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . بسم الله الرحمن الرحيم
"الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين . إياك نعبد وإياك نستعين . إهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" . آمين