الخميس، 17 ديسمبر 2009

وزيرة الصحة الفنلندية تحذر من مؤامرة

*
حذرت وزيرة الصحة الفنلندية د. رونى كيلد من مؤامرة أمريكية استخدمت حملة إعلامية ضارية لنشر الرعب من أنفلونزا الخنازير بقصد إجبار دول العالم على تطعيم مواطنيها وقالت أن الطعم المنتج لم تتح له الفرصة لإثبات عدم خطورته على صحة الإنسان ولا أحد يعلم ماذا سيحدث للناس بعد عام أو عامين أو عشرين عاما من التطعيم ، وحددت مخاوفها من العقم والسرطانات والأمراض العصبية القاتلة مثل متلازمة جيليان بار العصبية التى بدأت فى الظهور على المطعمين 
.
اتهمت الوزيرة فى معرض حديثها شركات الأدوية الأمريكية بالضغط على منظمة الصحة العالمية لإعلان وباء أنفلونزا الخنازير كوباء خطير يجب استعمال التطعيم ضده من جانب جميع سكان الكرة الأرضية ، كما أعلنت عن شكوكها وشكوك حكومة فنلندا فى أن هناك أغراض غير طبية وراء الحملة تتمثل فى محاولة الإثراء غير المشروع من جانب شركات الأدوية المنتجة للطعم الذى وصفته بأنه قاتل أو على أقل تقدير يسبب أمراضا مستعصية ، ولذلك أوقفت حكومتها إعلان المرض كوباء خطير كما أعلنت مقاطعة حملة التطعيم باعتبار الطعم غير آمن ، بينما وصفت الحديث عن خطورة المرض نفسه بأنه هراء 
.
واتهمت الوزيرة كل من رامز فيلد وزير دفاع بوش ، وهو مالك لإحدى شركات الأدوية ، وهنرى كيسنجر مستشار الأمن القومى الأمريكى السابق باعتناق نظرية تهدف إلى التخلص من أكبر عدد ممكن من سكان الأرض "ممن ليس لهم لزوم" على سطح الكوكب لتسهل السيطرة عليه ، وقالت إن سياسة إجبار الناس على التطعيم وتحديد الأولوية فى التطعيم للأطفال والحوامل ستؤدى إلى انقراض الجنس البشرى بقتل الأجيال القادمة ، وأبدت الوزيرة اقتناعها التام بأن هذا هو الهدف النهائى لمن يقف وراء هذه الحملة 
.
نصحت الوزيرة الجمهور بعدم الانصياع إلى حملات التطعيم خاصة أن الحكومة الأمريكية قد ضمنت نصا قانونيا يحمى شركات الأدوية من أية مسئولية فى حال حدوث مضاعفات من التطعيم وأن هذا الاتجاه للتنصل من المسئولية قد سرى إلى جميع الحكومات والهيئات القائمة بالتطعيم حيث تطالب المتطعم بالتعهد بأنه يأخد الطعم على مسئوليته الشخصية 
اللهم اجعله خير .. 
.

عودة الجاهلية

*
انتظرت قليلا حتى تهدأ الأمور ونرى ماذا سيحدث على مستوى الشعوب والحكومات بعد مهزلة مباريات مصر والجزائر فى كرة القدم 
لكن شيئا لم يحدث .. ترك الأمر على ما هو عليه من عداء مصطنع ومقاطعة غير مفهومة للاقتصاد والإعلام والفنون والرياضة ، وهدم بكل طريقة للعلاقات السوية بين الدول والشعوب ، ولا أى محاولة للإصلاح .. 
ولا أدرى ماذا تريد شعوب هذه المنطقة المنكوبة بخلافاتها المزمنة حتى فى كرة القدم
غريب أمر هؤلاء القوم 
إن قلت نحن عرب ، تجد من يقول لا ، نحن أمازيج أو نحن أشوريون أو أكراد ، أو نحن أفارقة أو فراعنة أو أقباط 
وإن قلت نحن مسلمون تجد من يقول لا ، نحن مسيحيون ، أو بهائيون ، أو نحن يهود أو ملاحدة 
وإن قلت شرقيون تجد من يقول لا نحن أفارقة أو نحن مغاربة 
وهكذا .. متى أردت أن توحدهم فى كيان كبير اعترضت فئات لا تريد أن تنتمى إلى أى كيان غير ذاتها 
وبعد أن تكونت دول المنطقة بشكلها الحالى خلال القرن العشرين وزال عنها الاحتلال الأجنبى دخلت فيما بينها فى مقاطعات وتوترات وصلت حد القتال والحرب 
حتى داخل هذه التصنيفات تجد التناحر والتطاحن ، السنة فى حرب مع الشيعة ، وكنيسة تنقلب على كنيسة ، وجنوبيون يتمردون على الشمال ، وشماليون يريدون الانفصال 
وداخل الكيان السياسى الواحد تمزق الحروب الأهلية البلاد فى لبنان والعراق واليمن والجزائر والسودان والصومال وفلسطين 
.
ماذا يريد هؤلاء الناس؟
ألا يعيش كثير منهم فى بلاد بعيدة مهاجرين ينتمون إليها بكل رضا رغم علمهم ومعايشتهم لكونهم أقليات لا وزن لها فى بلاد المهجر؟
هل الاندماج فى مجتمعات غريبة جميل ولذيذ بينما الاندماج مع أقرب الناس إليهم جريمة أو عار؟ 
ألن تفيق هذه الشعوب من سفه التعصب لأى شيء دون عقل أو عقال 
ألن تفيق من ترف الخلاف بينما يعيش معظمها تحت خط الفقر ويئن تحت وطأة الجهل والمرض 
ألا يشعر المتمردون بحاجتهم إلى كيان أقوى وأكبر يصطلحون فى ظله ويستطيعون العيش فيه بسلام 
ألا يستطيعون التحدث إلى الغير بدلا من مهاجمته ومصالحته بدلا من مصادمته ومعايشته بدلا من محاربته خاصة إذا كان لا يبادلهم العداء ولا يبدأ به؟
ولما نذهب بعيدا عن كرة القدم وهى سبب هذه الفضيحة الشعبية والإعلامية والسياسية ، كيف إذا أراد كل لاعب اللعب "لوحده"؟ هل يمكن أن يستقل لاعب عن بقية اللاعبين؟ هل يمكن أن تنجز فرقته شيئا فضلا عن الفوز؟ هل يمكن أن ينتمى إلى نفسه فقط وينكر أنه عضو فى فريق؟ يعنى اللعبة جماعية ولا يمكن أن تكون غير ذلك
.
إن الحديث عن "حقوق" للأقليات هو حديث مشروع ولا يشكل مشكلة كبيرة للوطن الأم ، لكن هذه الفئات تصطدم بمجتمعاتها اصطداما حادا وعدائيا بشكل غير مفهوم ولا مقبول وهو ما ليس فى مصلحة أحد ، لا الأقليات ولا الأغلبيات ، المستفيد الوحيد من هذه الفرقة المخجلة هو أعداؤهم خارج المنطقة أو خارج الثقافة أو خارج المصالح المشتركة بينهم
على الحكومات أيضا احترام حقوق جميع مواطنيها حتى لا يكون اليأس مدعاة للتمرد والاستعانة بالقوى الخارجية محفزا للانشقاق 
نحن نرى كيف تتعامل الصين واليابان والهند وروسيا وألمانيا مع أميركا وشرق أوربا مع غربها مع اختلاف ثقافاتهم وحضاراتهم
يقول المثل الشعبى " اللى مالوش كبير يشترى له كبير" وهذه حكمة قديمة مغزاها أن الإنسان لوحده لا يستطيع العيش بسلام مهما بلغت قوته إذ لابد له من دعم ما أوانتماء يكفل له هوية محترمة ، ولكن الانتماء والارتماء إلى كيانات خارج المنطقة يهدد جميع من فيها ولا يؤدى إلا إلى التدمير أو العبودية 
ماذا تريد هذه الحركات الانفصالية غير تفتيت الأمة الكبيرة إلى دويلات صغيرة وكيانات ضعيفة يسهل ابتلاعها بل ومحوها إذا أراد أعداؤها ، ولن تحقق آمال الانفصال غير التشرذم والتشرد والضعف والهوان 
إنها خطوات للخلف لن تجلب غير التخلف أكثر وأكثر 
ولنر كيف نهضت الأمم عبر التاريخ .. هل نهضت أمة بانفصالها عن كيان كبير؟ أم أن الحضارات الكبرى قامت فقط بتوحيد الشعوب؟
أهى عودة الجاهلية؟
مساء الخير .. 
.

الاثنين، 9 نوفمبر 2009

لقاح أنفلونزا الخنازير.. الحقيقة والوهم

لقد كتبت سابقا فى هذا الموضوع مقالا مختصرا ردا على إشاعات تم تداولها عبر وسائل الإعلام بخطورة لقاح أنفلونزا الخنازير على الحياة 
وصلتنى رسالة مستفيضة وصرخة عالية تجعلنى مضطرا إلى معاودة الكتابة فى نفس الموضوع مع الإشارة إلى كل ما جاء فيه وبيان ما احتواه من الأمور المنطقية وغير المنطقية بهدف الوصول للحقائق والتعامل بها وليس نشر الرعب أو الفوضى 
وهنا تعليق أولى على هذا المقال سيتبعه قريبا تعليق مفصل 

أولا: لابد من الموازنة بين خطر اللقاح وخطر المرض فأنت إن امتنعت عن تناول اللقاح سلمت نفسك إلى المرض.. هذه حقيقة 

ثانيا: اللقاح المتوافر حاليا تم إنتاجه فى أكتوبر 2009 لأول مرة ، والقصص الواردة فى هذه الرسالة عن خطورته كلها تروى عن أحداث سابقة لهذا التاريخ .. وهذه حقيقة تعترف بها الرسالة ومقالاتها 

ثالثا: لا تصدق كل ما يقال لك .. هذه حكمة استخدمها كاتبو المقالات الواردة فى الرسالة للتشكيك فى اللقاح ، ويمكن اتباعها نفسها للتشكيك فى الرسالة التى تحث الناس على تسليم أنفسهم للمرض عوضا عن تناول اللقاح ، ويجب ملاحظة أنه لم تحدث وفيات من اللقاح لكن حدثت وفيات من المرض 

رابعا: الحديث عن الأعراض التى تحدث بعد سنة من تناول اللقاح مردود عليه بخمس حقائق 

الأولى أن الروايات المستشهد بها لم تحدث مع هذا اللقاح وإنما مع لقاحات أخرى كما أوردنا سابقا 
الثانية أنه لم يمر على إنتاج اللقاح واستخدامه إلا أسابيع قليلة 
الثالثة اعتراف الرسالة بوجود لقاح آمن غير هذا الذى تحذر منه 
الرابعة أن اللقاح الجديد لا يحتوى على مادة السكوالين! ، وصحيح أنه يحتوى على مادة الثايمرازول لكنها مادة حافظة لم يثبت تسببها فى أى مرض 
الخامسة أن كاتبو المقالات الواردة لا يمتلكون معامل ولا مختبرات ولم يقوموا بإجراء أية تجارب معملية أو إكلينيكية لإثبات أو نفى أى شيء بالطرق العلمية 

خامسا: "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" صدق الله العظيم 

مساء الخير.. 

الخميس، 5 نوفمبر 2009

أنفلونزا الخنازير .. آخر الأخبار

أخبار التطعيم
- تم إنتاج اللقاح ضد أنفلونزا الخنازير بنوعيه ، الحقن والبخاخ الأنفى ، وتم ترخيصه بواسطة إدارة الأغذية والدواء الأمريكية
- اشترت الحكومة الأمريكية 250 مليون جرعة من اللقاح وبدأ التطعيم خلال أكتوبر
- الأطفال تحت العشر سنوات يحتاجون إلى جرعتين بينهما 4 أسابيع ، بينما يحتاج الأكبر سنا إلى جرعة واحدة
- سيتم توزيع اللقاح على مراكز التطعيم والمستشفيات الحكومية ، المستشفيات الخاصة ، المدارس ، الصيدليات (فى الولايات المتحدة الأمريكية)
- يمكن تطعيم أى شخص بأمان طالما لا يعانى من حساسية ضد البيض
- الأولوية للأطفال الصغار والمخالطين لهم والحوامل والعاملين بالصحة
- يحذر المركز الأمريكى للأمراض من الاعتماد على أية منتجات فى هيئة حبوب أو مشروبات أو أغذية كبديل وقائى حيث لم لم تثبت فائدة أى منها
- قامت منظمة الصحة العالمية بحملة تبرعات لجمع 200 مليون جرعة من اللقاح سيتم توزيعها على الدول النامية التى لا تنتجه بهدف تغطية 10 % من السكان ، وستبدأ الإمدادات الأولى من نوفمبر 2009 حتى فبراير 2010
- تنصح منظمة الصحة العالمية كافة الدول بتنفيذ حملات قومية للتطعيم وأن تكون على اتصال بالمنظمة وبمصادر التصنيع للحصول على احتياجاتها من اللقاح
- مجموع الإمكانيا ت العالمية المتاحة قادرة على إنتاج 3 بلايين جرعة من اللقاح سنويا (تكفى نصف سكان الكرة الأرضية)

ملاحظات حول العلاج
- هناك عقاران للعلاج من أنفلونزا الخنازير يعملان بنفس الطريقة وهما حبوب "تامى فلو" و بودرة استنشاق "ريلنزا"
- توصى منظمة الصحة العالمية بتناول العلاج مبكرا (مرتان يوميا لمدة خمسة أيام) ودون انتظار لنتيجة التحليل للحصول على أفضل النتائج ولتفادى حدوث المضاعفات
- عقار تامى فلو أفضل تأثيرا ويجب تناوله طالما توفر ، العلاج الآخر يمكن تناوله فى حال عدم توفر الأول

المصادر
http://www.cdc.gov/h1n1flu/

http://www.who.int/csr/disease/swineflu/en/
.

الأربعاء، 21 أكتوبر 2009

الفاتحة .. إلى روح أمى ..

إنا لله وإنا إليه راجعون .. البقاء لله وحده
بكل ما أوتيت النفس من إيمان أتقبل قضاء الله وأمره فى روح كريمة .. روح أمى الغالية ..
أنظر إلى مشوار حياتها وأتعجب .. كيف كانت تحيا هذه السيدة لأجل الآخرين وتعمل أكثر مما تعمل لنفسها .. كم مدت يد العون إلى الناس ، الأقربون والأبعدون ، وكم كانت تتذكرهم فى المناسبات وغير المناسبات .. كم ساعدت وكم ضحت ، وكم ابتسمت فى الوجوه وكم مسحت من دموع ، وكم ربتت على الأكتاف وكم تربت من خيرها أكتاف
كم قرأت من قرآن وكم صلت من صلوات وأخرجت من صدقات
كم فى حماها تربى صغار وكبار ، وكم فى ظلها احتمى أبرار وكم بحكمتها أخجلت أشرار
أسدل الستار أمس على حياة الفاضلة المناضلة إحسان عبد الرحمن .. اسم يعرفه كثيرون .. بين أسمائهم أجيال وفى أولادهم كتبت قصائد وأشعار بخطها الجميل وذوقها الراقى الأصيل
عاصرت إحسان عبد الرحمن أجيالا عديدة وشهدت متغيرات كثيرة فى المجتمع المصرى ، كانت فى مقدمة مسيرة تعليم المرأة فى مصر ونشرت الصحف صورتها تحت عنوان " الأولى على مدارس معلمات القطر المصرى .." وترقت فى سلك التربية والتعليم تربى وتساهم فى الحركة التعليمية الكبرى التى بدأت فى الخمسينات ثم تقلدت عدة مناصب وشاركت فى الحركة الاجتماعية والسياسية فى مدينة الإسكندرية فى الستينات
فى نطاق أسرتها كانت أختا لثلاثة أولاد هى أكبرهم سنا ، فقدت والدها مبكرا وتعاونت مع والدتها على تنشئة إخوتها حتى أكملوا تعليمهم ثم تزوجت من شخصية سكندرية معروفة هو الأستاذ محمد عفيفى ومضت معه فى رحلة عمر طويلة يظلها المحبة والتعاون وإلإخلاص
لها أربعة أولاد وثمانية أحفاد وهناك غير هؤلاء كثيرون اعتبرتهم أبناءها وأحفادها وعاملتهم بالمثل
كنت طفلا فى الثالثة من عمرى عندما اصطحبتنى أمى إلى المدرسة لأول مرة ، كنت أحضر كضيف غير مقيد ، بنهاية العام كنت قد تعلمت القراءة والكتابة ، فى العام التالى أرادت أن تلحقنى رسميا بإحدى المدارس لكن صغر السن كان عائقا صعبا ، فألحقتنى بمدرسة أزهرية كانت تقبل صغار السن أنعم الله على فيها بحفظ القرآن الكريم ، ثم جاء الصف السادس لنفاجأ بعدم قبولى للتقدم لاختبار الشهادة الابتدائية لصغر السن ، فقررت إلحاقى بمدرسة إعدادية خاصة تتغاضى عن شرط السن وتعقد اختبارا خاصا للقبول ، كان على اجتياز الاختبار وكان عليها تدبير المصروفات .. مر العام الأول بسلام إلى أن أعلنت النتيجة .. ذهبت إلى المدرسة متشوقا لرؤية اسمى ولأفرح والدى بالنتيجة ، لكنى لم أجد له أثرا ، لا فى كشوف الناجحين ولا فى كشوف الراسبين! وقفت حائرا أمام باب المدرسة المغلق لا أدرى ماذا أقول لأهلى .. اكتشفت وجود إعلان صغير بعيد يقول "طلبة ناجحون بتفوق ويعيدون السنة لصغر سنهم ..وتحتها اسمى !" قرأتها وأنا لا أكاد أصدق .. علمت أمى بالخبر ولم تسكت ، وصل الأمر للوزير .. انتهت الأجازة الصيفية وأدخلت رغم أنفى للصف الأول مرة أخرى لكن طبعا مصاب باكتئاب حاد .. ذات يوم بعد شهر من بدء الدراسة سمعت دقات على باب الفصل لا أنساها .. ثم ظهر وكيل المدرسة ليقرأ على أستاذ الفصل قرارا من وزير التربية والتعليم بنقل الطالب الذى هو أنا من الصف الأول إلى الصف الثانى الإعدادى .. كانت فرحة كبرى ونقلة كبيرة تعلمت منها دروسا كثيرة .. أهمها لا تيأس ..
جاء امتحان الثانوية العامة .. خذلنى المجموع فلم يمكننى من دخول الكلية التى أرغبها .. صرحت لأسرتى برغبتى فى إعادة السنة وإننى على ثقة من الحصول على مجموع أكبر ، لم يتحمس أبى كثيرا لهذا الرأى ونصحنى بأن أدخل الجامعة من أى باب وأنه بإمكانى إثبات تفوقى فى أى مجال ، ثم حذرنى من مغبة ضياع الفرصة إذا لم تأت الإعادة بما تشتهى السفن ، وقال إن أصررت على ذلك فلتحجز لك مكانا فى الجامعة وتنتظم فى الدراسة وفى نفس الوقت تجهز نفسك لإعادة الامتحان فإن خيرا تركت ذلك وإن لم تستطع فلن تفوتك الفرصة الحالية
سألتنى أمى عن رأيى فيما قال أبى .. قلت لها بصراحة أخشى أن تشغلنى الجامعة عن الإعادة وأنتهى إلى نفس الموقف .. ثم إننى أعلم موضع الضعف وسأعمل على علاجه لكن هذا يحتاج لتفرغ .. قالت: " أنا معك .." ثم وجهت كلامها إلى أبى قائلة: "دعه يفعل ما يشعر أنه يستطيع فعله .. هو يشعر أن هذه النتيجة لا تعبر عن مستواه الحقيقى وسوف يعمل من أجل إثبات مستواه ، فقط يحتاج فرصة ثانية .." قبل أبى كلامها وتم لى ما أردت
انتهيت من الجامعة لأدخل فى دوامة جديدة .. هذه المرة أريد السفر للخارج .. أبى ينصحنى بالسفر للعمل فى الخليج .. لكن فى رأسى أفكارا أخرى .. الخارج عندى معناه أوربا .. أمريكا وليس الخليج .. للدراسة العليا واكتساب خبرات متقدمة .. لكن هذا يتكلف أموالا طائلة .. عملت بنصيحة والدى بعض الوقت و جمعت بعض المال لكنه غير كاف ، لابد من دعم ما .. مرة أخرى تطمئننى أمى .. تجاهد لتوفر المال وترسل لى الدولارات رغم الغلاء المستمر ..
عدت بعد دراستى للعمل فى الخليج .. وددت أن أرد دينى .. لكنها لم تقبل .. " أنت تحتاج للمال أكثر منا .. مازال أمامك الكثير .. "
جمعت مالا أكثر أرسلته إلى أمى .. ماذا فعلت به؟ بنت لى سكنا خاصا ..
هكذا كان دعمها وهكذا مكنتنى من التفرغ لتخطيط مستقبلى وهكذا تمكنت من الاستقرار فى حياتى بحيث أكون أقرب ما يمكن إلى ما أحب وأرضى ..
رحمك الله يا أمى .. كنت خير معين لى .. ولولاك لما حققت شيئا يذكر
ليس هذا فقط ما أذكره لأمى .. أذكر ابتسامتها وبشاشتها ، وأذكر خطها المنمق فى رسائلها وأشعارها ، وأذكر صوتها الجميل تغنى لى وأنا طفل صغير أغنية أم كلثوم "مصر التى فى خاطرى وفى فمى .. أحبها من كل روحى ودمى .."
أذكرها فى شم النسيم من كل عام تجمع من تستطيع من الأقرباء لكى نقضى اليوم معا على شاطئ البحر .. وكلما زاد عددهم ازادت فرحتها بهم وبجلساتهم وأحاديثهم .. تعد لهم ما استطاعت من الأطباق الشهية وتطمئن إلى مناسبتها لكل الأذواق
أذكر كيف كانت تدبر ميزانية للمصيف كل عام حتى ترفه عن الأسرة عناء طول العام
ثم كيف استطاعت أن تشترى أرضا وتبنى عليها طابقا طابقا حتى أمنت سكن أولادها جميعا
أذكر كيف كان يزورها أناس لا حصر لهم ، كلهم ممتنون لها بجميل أو معروف
كيف كانت تعد الطعام الفاخر فى منزلها للمرضى فى المستشفيات المتواضعة
كيف كانت تتحدث عن أبى بفخر فى كل مناسبة ، وكيف حزنت يوم وفاته ..
أذكرها تجمع أولادى فى الأعياد لتمنحهم "العيدية" .. وتشترى لهم شهادات استثمار كل منهم باسمه ..
وتستعد فى شهر رمضان بما مكنها الله فيه من خير .. توزع الطعام والهدايا على البسطاء ، ثم إذا جاء عيد الأضحى أعدت لكل صاحب نصيب نصيبه ووزعته فى هدوء
وبحلول العام الدراسى لا تنسى أن تجمع ما استطاعت من الكتب ولوازم المدرسة والملابس توزعها على من يحتاج
وما تعلمته من أمى لا حصر له .. من أول القراءة والكتابة حتى كيفية التعامل مع الناس
كانت تدعونى إلى المطبخ لتشرح لى كيفية إعداد الطعام وتقول .. يوما ما ستكون بمفردك وسيكون عليك إعداد طعامك بنفسك
ثم عندما جاء الوقت الذى أصبحت فيه وحدى لم تتركنى ، فى كل رسالة وصفة جديدة وأكلة جديدة حتى استطعت أن أكون من رسائلها كتابا فى أصول الطهى!
لم تكن أمى طاهية ماهرة فقط تعد أصنافا رائعة من الوجبات ، كانت تقريبا تملك مصنعا فى منزلها للصناعات الغذائية ، مربات من كل الفواكه ، زبادى صناعة منزلية ، بسكوتات وحلويات ، عصائر طازجة ، مخللات أشكال وألوان ، وكانت إذا أرادت تعلم شيء جديد أحضرت له متخصصا يقوم بتحضيره وتعليمها فى نفس الوقت ، كما كانت لها موائد خاصة اشتهرت بها ، فهذه مائدة بحرية ، أى عليها أصناف شتى من السمك والمأكولات البحرية ، وتلك مائدة لحوم ، ومائدة خضروات ومائدة محشيات إلى آخره .. حتى الخبز كانت تعده أحيانا فى المنزل ، بأنواعه ، البلدى والشامى والتوست ..
أكثر من ذلك كان فى بيتنا مصنعا صغيرا للصابون ، تشترى لوازم التحضير وتمزج المزيج ثم تنتظر ليجف قليلا فتبدأ بتقطيعه فى قوالب صغيرة فى صبر كبير
كانت أمى رائدة فى تحديث المنازل وأسلوب المعيشة .. وكانت قريباتها ومعارفها من السيدات ينظرن إلى كل خطوة تخطوها فى تحديث منزلها فيحذون حذوها .. فهى من أوائل من أدخل الثلاجات والغسالات الكهربائية ومواقد الغاز والراديو والتليفزيون إلى المنازل ، وكانت تحرص على تغيير الأثاث بين الحين والآخر ، بل وتغيير السكن نفسه كلما أمكن ..
ذات يوم جاء إلى منزلنا رجل وامرأة .. قالوا نحن أولاد فلان .. كان فلان هذا يمتلك عمارة سكنية بجوار فندق شيراتون وكانت أمى تستأجر فيها شقة للمصيف .. وعندما أكرمنا الله ببناء منزل خاص بالقرب من شاطئ البحر لم نعد فى حاجة إليها .. كانت قيمة الشقة قد ارتفعت كثيرا وكان المتبع أن يدفع المالك جزءا كبيرا من قيمة الشقة حتى يستطيع استردادها حيث أن القانون لا يعطيه هذا الحق .. أخبر الضيفان أمى بأنهم فى حاجة لتلك الشقة وتوقعا أن تطلب أمى مبلغا كبيرا مقابل التنازل عنها .. ماذا فعلت أمى؟ استأذنت منهم لتعود بعد دقائق وفى يدها مفتاح الشقة قائلة .. "أصحابها أولى بيها" .. سألتها السيدة: "طلباتك؟" أجابت أمى: " لا شيء" ما دمتم أنتم فى حاجة إليها ولا أحتاج أنا إليها فلأكتب لكم الآن التنازل منى عن العقد ولن أطالبكم بأى شيء .. وشكرا لله الذى منحنى بيتا جديدا وغدا قد يقف أبنائى نفس الموقف فلعلهم يجدون من يستجيب ." عقدت الدهشة لسانيهما لكنهما أدركا أنهما أمام نموذج مختلف من البشر ، حياها بأطيب تحية ثم انصرفا غير مصدقين!
الفاتحة لك يا أمى .. شملك الله تعالى برحمته وتقبل طيب أعمالك وطيب روحك وصفاء نفسك وإيمانك الجميل ، وأدخلك أفضل جناته إنه سميع عليم
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . بسم الله الرحمن الرحيم
"الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين . إياك نعبد وإياك نستعين . إهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" . آمين
.
.

الجمعة، 9 أكتوبر 2009

حرب أكتوبر 1973 - الأبعاد العسكرية


6 أكتوبر 1973 تاريخ غير العالم ، بعده تغيرت أشياء كثيرة وأرسيت قواعد ونظم جديدة للحرب والسلم ، والاقتصاد والسياسة 
لم تكن كل التغييرات حميدة لمن صنعوا التاريخ فى ذلك اليوم ، ولكنهم مع ذلك يفخرون دائما بنصرهم فى تلك الحرب ويعتزون بما حققوه من إثبات الذات وكسر التحديات 

الأبعاد العسكرية لحرب أكتوبر 
التحدى الأول والأكبر كان التحدى العسكرى الإسرائيلى بعد هزيمة يونيو 1967 ، أرض محتلة ، وتفوق عسكرى ، ودعم غير محدود للعدو ، مقابل جيش محطم ، ومانع جغرافى هو قناة السويس ، ومانع صناعى هو سد بارليف ، ودعم محدود 

مفاجآت عسكرية
فاجأ المصريون العدو والعالم كله بعدة مفاجآت لم يحسب أحد حسابها وكانت هى مفاتيح النصر 

1. السرية التامة فى العمل العسكرى
2. التمويه والخداع 
3. عبور قناة السويس 
4. اختراق سد بارليف بدلا من اعتلائه 
5. إعداد الجنود والضباط 
6. استخدام أسلحة جديدة واستخدام جديد للأسلحة التقليدية 
7. حماية القوات
8. كفاءة القيادات والتخطيط العسكرى 

السرية التامة
لم يمكن لأى فرد خارج القوات المسلحة معرفة ما كان يجرى داخلها ، كانت هناك نكتة أو تشنيعة تردد بعد حرب يونيو تقول أن سائق الباص ينادى على الركاب أثناء سفرهم بين المحافظات " اللى نازل المطار السرى" ... كى يستعدوا للنزول !
لم تعرف القوات المقاتلة بموعد بدء الحرب إلا صباح اليوم السادس من أكتوبر ، ولم يعرف أحد أين تختبئ الطائرات المصرية ولا أين توجد بطاريات الصواريخ ، رغم الإلحاح الشعبى لمعرفة كل شيء عن الاستعداد للحرب ، 

التمويه والخداع 
نظرا للطبيعة المكشوفة لميدان المعركة وللأرض المصرية المسطحة والخالية من التضاريس الجبلية والغابات وما يمكن الاختباء فيه أو به كانت مسألة تغطية تحركات القوات فى غاية الصعوبة ، طائرات التجسس تعمل ، والأقمار الصناعية تصور ومن الضرورى إخفاء كل شيء عسكرى ينشأ أو يتحرك فينبئ بالاستعداد للحرب ، لكن ذلك لم يكن ممكنا .. 

كيف واجهت القوات هذه المعضلة؟ 
بنيت مخابئ الطائرات تحت الأرض ، وكذلك بطاريات الصواريخ
بنيت مخابئ هيكلية وقواعد وهمية عديدة حتى أصبح متعذرا تحديد الحقيقى من الوهمى عن طريق التصوير
استخدمت الحيلة فى خداع العدو لمنعه من معرفة النوايا الحقيقية للقوات ، أجريت عدة مناورات كبيرة لتحريك القوات كأنها ستشن حربا خلال أيام ثم انتهت المناورات كل مرة بعودة القوات إلى ثكناتها ، فى كل مرة أعلنت إسرائيل التعبئة العسكرية ورفعت الاستعداد إلى أقصى درجة ، واشتملت التعبئة على تكاليف باهظة وإرباك بالغ ، فلما جاءت المرة الرابعة اعتقد الإسرائيليون أنها كسابقاتها وأنها مجرد حركة لن تسفر عن شيء فامتنعوا عن إعلان التعبئة ،  لكنها كانت القاضية .. 

مفاجآت يوم الحرب 
يوم بدء الحرب كانت هناك عدة مفاجآت ، كانت القاعدة المعروفة لدى كل الجيوش أن القوات المهاجمة تبدأ القتال أول النهار ، وقد مضى أكثر من نصف اليوم ولم يحدث شيء كانت النتيجة استرخاء تام على الجبهة الإسرائيلية 
المفاجأة الثانية يوم الحرب أنه كان فى شهر رمضان والعدو يعرف أن أفراده صائمون ، وأيام السنة كثيرة فلماذا يغامر جيش بإقحام أفراد صائمين فى مهام قتالية فى الصحراء وفى عز الشمس؟ ثم قد بلغت الساعة الثانية ظهرا فقد مضى من النهار معظمه ولابد أن الجنود إما نائمون وإما جوعى وعطشى ينتظرون الطعام والشراب 
المفاجأة الثالثة أن المصريون قد علموا بأن ذلك اليوم يوافق أحد الأعياد الدينية عند اليهود ولابد أنهم ولم يكن عندهم خبر بالاستعداد للحرب أن يكونوا فى عطلة كالعادة تتقلص معها الاتصالات وتخفف فيها الأوامر والواجبات والالتزامات 

الخداع الاستراتيجى 
جرى الترويج  داخليا وخارجيا لعدم جدية مصر فى الحرب ، بالإيحاء المباشر أحيانا وبتسريب أخبار وهمية أحيانا أخرى ، وبإطلاق مبادرات لحلول سياسية ، ثم بإبعاد المستشارين والخبراء العسكريين السوفييت من مصر
ساعد الإسرائيليون مصر فى خطة التمويه هذه كثيرا بإطلاق التصريحات المغرورة على لسان قواد الجيش الإسرائيلى تقول إن خط بارليف لا يمكن اقتحامه بأعتى الجيوش بما فى ذلك الجيش الأمريكى ، وأنه لا يقبل التحطيم حتى بالقنابل الذرية ، وأن مصر قد تلقت ضربة قاصمة عام 1967 ولن تقوم لها قائمة قبل عشرات السنين 
وحتى قيام الحرب يوم 6 أكتوبر لم تكن هناك أية معلومات مؤكدة لدى أجهزة المخابرات الإسرائيلية والأمريكية عن حرب وشيكة

عبور قناة السويس 
استخدمت لعبور القناة قوتان ، الأولى عبور الجنود على قوارب مطاطية قابلة للطى تعد للاستخدام الفورى من على ضفة القناة ، ولهذا يمكن للجنود حملها كمعدة خفيفة بدلا من القوارب ذات الهياكل التى لا يمكن إخفاؤها 
القوة الثانية قوة الدبابات وهى من نوعين ، برية وبرمائية ، ولعبور الدبابات البرية جرى تجهيز جسور فورية التركيب مكونة من عدة أجزاء تفتح فى لحظات لتستوى على سطح الماء ويتم ربط الأجزاء بحيث تشكل جسرا بعرض القناة يستطيع تحمل عبور الدبابات  

اختراق سد بارليف
بنى سد بارليف بارتفاع نحو عشرين مترا على طول قناة السويس لتكريس المانع الجغرافى المائى بإضافة حاجز يستحيل اعتلاؤه بالدبابات أو المركبات العسكرية من أى نوع ، وبالتالى منع أية قوات من التقدم البرى على الأرض 
ماذا فعل المصريون مع هذا الحاجز المنيع؟
بنى حاجز مشابه فى مكان آخر داخل الأرض المصرية وبدأت القوات التدريب عليه ، تم تجريب كل شيء ، المدافع والصواريخ والقنابل والمتفجرات ، فشلت كل المحاولات إلى أن تقدم أحد المهندسين الشبان بفكرة بسيطة لكنها عبقرية .. لقد صنع السد من أكوام من التراب والرمل تتخللها نقط حصينة بنيت من الحجارة والأسمنت المسلح تم تسليحها بالمدافع .. الفكرة الجديدة تقول أن التراب والرمل يمكن إزالتها بالماء .. جرى توجيه خراطيم المياه إلى الساتر الترابى على سبيل التجربة فانهار السد بالفعل ، وعليه تم تصنيع مئات مما أسمى فيما بعد بمدافع الماء وهى التى استخدمت فى فتح ثغرات فى السد الترابى نفذت منها الدبابات المصرية إلى شرق القناة فى ساعات قليلة 
فى نفس الوقت كان الجنود يتدربون على اعتلاء السد بسلالم من الحبال سهلة الحمل والاستعمال ، فلما حان وقت القتال كانت الدبابات تتقدم أسفل السد بينما الجنود من فوقه فلم يترك فيه مكان إلا وتمت السيطرة عليه 

إعداد الجنود والضباط
مهمة إعداد الأفراد هى أهم مرحلة فى الاستعداد للحرب ، وهى مهمة ذات عدة أوجه ، الإعداد التنظيمى ، الإعداد المعنوى ، الإعداد الجسدى  ، الإعداد المعلوماتى ، الإعداد القتالى
وفى الاستعداد للقتال ظهرت أنواع جديدة من التدريب ، التدريب على العبور ، التدريب على تسلق السد الترابى ، التدريب على استخدام مدافع الماء للمراحل القتالية الأولى ، ثم فى المراحل التالية ظهر فى الحرب مفاجأتان هما نوعان جديدان من الأسلحة "البشرية" إن جاز التعبير ، لم تكن الأسلحة البشرية قوات انتحارية أو أفراد ترتدى أحزمة ناسفة بل على العكس تعمل فى أمان وبشكل مؤثر وفعال 

استخدام أسلحة جديدة واستخدام جديد للأسلحة التقليدية 

السلاح الأول: الفرد فى مواجهة الحصن العسكرى 
تدرب الجنود على الوصول إلى الحصون العسكرية المقامة على سد بارليف فى أمان بتفادى نيران المدافع حتى إذا وصل أحدهم إلى بوابة الحصن ، أو ما أسمى بالدشمة ، ألقى داخلها بقنبلة تدمر ما فيها بمن فيها وأسكت مدافعها تماما 

السلاح الثانى: الفرد فى مواجهة الدبابة 
كان من المعروف حتى حرب أكتوبر أن الدبابة تعمل كآلة تدمير بجسمها المدرع القوى وبمدفعها الثقيل بعيد المدى ، جاءت القوات المصرية بفكرة عبقرية أخرى أحالت الدبابة إلى كتلة عاجزة ، لكنها كانت تحتاج إلى شجاعة فائقة من الجنود ، يتقدم الجندى نحو الدبابة فيقترب منها إلى حتى أمتار قليلة فيصبح فى مأمن من مدفعها ، ثم له أن يواجهها بأحد سلاحين ، مدفع خفيف يحمل على الكتف لكنه مضاد للمدرعات ويمكنه اختراق جسم الدبابة وإحراقها أو تعطيلها ، أو أن يعتلى ظهر الدبابة فيفتح غطاءها العلوى ليلقى بقنبلة داخلها 
هذه الأسلحة "البشرية" لم يحسب حسابها أحد ولم يتوقع ظهورها أحد ، وكانت عاملا حاسما فى السيطرة على ميدان المعركة ، وقد ساعدت كثيرا فى تغليب ميزان القوى لصالح القوات المصرية بأقل التكاليف فى الأفراد والمعدات ، بعدها لم تصبح الدبابات مثل ما كانت عليه قبل أكتوبر ، غيرت الجيوش دباباتها إلى دبابات مزودة بمدافع رشاشة ضد الأفراد خشية مهاجمة الجنود 

حماية القوات 
تعددت مهام حماية القوات المهاجمة وبدأت تلك المهام منذ اللحظة الأولى للقتال

مفاجأة الضربة الجوية: جاءت الضربة الجوية حسب الخطة المعدة كتمهيد للتقتال البرى ، لكنها جاءت مفاجأة فالعمليات التى تبدأ بالقصف الجوى ، تكون عادة مع أول ضوء فى النهار حتى ترى الطائرات أهدافها بوضوح وإلى أن ينتصف النهار تكون قد مهدت الميدان لتقدم القوات البرية فى أمان فيما بقى من اليوم ، فى هذه الحرب مخالفة تامة للقاعدة ، طلع النهار وانتصف ولم يتحرك شيء ، فإن بدأ قصف جوى بعد ذلك لن يكمل مهمته قبل حلول الظلام وعليه فلن تستفيد منه القوات البرية التى تحتاج أيضا لضوء لنهار .. النتيجة اطمأن العدو تماما 
انطلقت من مخابئها 220 طائرة فى وقت واحد إلى أهداف محددة فى سيناء فقصفت مواقع القيادات والاتصالات والإمداد والذخيرة مما قطع أوصال القوات المتواجدة وأصبح الميدان جاهزا للقتال على الأرض فى وقت قياسى ، عادت معظم الطائرات سالمة بينما كان من المتوقع إصابة نصفها ، ثم عادت إلى ميدان القتال لتواجه الطيران الإسرائيلى فى مراحل لاحقة ، بعد حرب أكتوبر أعادت جيوش العالم التفكير فى توقيت الضربات الجوية ولم يعد الهجوم مع أول ضوء هو القاعدة  
حائط الصواريخ: شكل حائط الدفاع الجوى حاجزا ناريا أمام الطيران الإسرائيلى لم تستطع اختراقه وبذلك تمت حماية القوات المهاجمة أثناء القتال على الأرض  

سلاح المدفعية: استخدمت المدافع طويلة المدى بكفاءة تامة لحماية القوات أثناء عبورها للقناة ثم عبرت فرق منها إلى شرق القناة لتشارك فى القتال البرى ، والفرق كبير بين قوات تعمل وحدها وقوات تعمل تحت غطاء جوى وساتر مدفعى  

كفاءة القيادات والتخطيط العسكرى
لاشك أن كفاءة القيادات والخطط القتالية قد ساهمت فى جعل هذه الملحمة البطولية والنصر الذى شهد به العالم حقيقة واقعة ، لايمكن للأفراد وحدهم دفع هذا المجهود الحربى الهائل دون تخطيط سليم وفكر جاد وإدارة ناجحة لكل المعطيات بدءا من التدريب إلى التسليح والتنسيق بين القوات واستخدام عناصر المفاجأة والسرعة والتأمين الأقصى للقوة المحاربة 

لهذه الأسباب توصف حرب أكتوبر بأنها غيرت المفاهيم العسكرية على مستوى العالم ، ولهذه الأسباب تدرس عملياتها ومعاركها فى المعاهد العسكرية العالمية ، والفضل فى النصر يرجع فى كثير من جوانبه إلى الفرد المقاتل وإلى أفكار متميزة قدمها المصريون وأذهلت العالم 
ولهذه الأسباب أيضا تحرص إسرائيل على السلام مع مصر أكثر من حرص مصر على السلام معها 
مساء الخير .. وكل عام وأنتم بخير .. 

الجمعة، 2 أكتوبر 2009

أنفلونزا الخنازير .. أمان التطعيم

 صحيح أن الاعتماد فى النقاش العلمى يكون على المصادر العلمية وليس الإعلامية ، ولكن الناس كلها تتكلم فى الموضوع وأصبح بالفعل قضية عامة وانتشر الخوف إن لم يكن الرعب ، ومن ناحية أخرى فى غياب المعلومات الموثوقة هناك فرصة سانحة لنظرية المؤامرة كى تنشب مخالبها فى العقول

وفى عصر الخصخصة وجدت الحكومات فرصة ذهبية لتنفض عن كاهلها مسئولية وتكاليف صحة المجتمع متجاهلة أن مهام الصحة العامة والوقائية لا يمكن للأفراد القيام بها على نفقتهم الخاصة مهما فعلوا ، ويمكن أن تكون النتيجة دمار شامل للمجتمع بأسره ، وآن الأوان لكى تفكر الحكومات بأنه سيكون عليها دفع الفواتير القديمة التى تم إهمالها فى مجالات الصحة والنظافة وتوفير المياه النقية ومكافحة الأوبئة وإلا سيلحق بها عار قتل شعوبها بالإهمال ، ورغم أن كل قوانين الدنيا تعاقب الأفراد بتهمة الإهمال دون هوادة ، تعفى الحكومات نفسها من هذه التهمة ومن تلك القوانين ، ولربما حان الوقت لتحمل المسئولية بعد طول تنصل ، وإهمال الصحة العامة لا يمكن فصله عن إهمال التعليم والمواصلات العامة والثقافة العامة والبحث العلمى ، فهى منظومة إهمال متكاملة وسمة عامة بين حكومات العالم الثالث ، ولن يفيد النظر إلى الوباء من ثقب إبرة كما لو أنه زوبعة فى فنجان ، ولن ينجح إلا السير فى الطريق الصحيح وإصلاح كل ما أتلفه التجاهل والإنكار مهما كانت التكاليف

وهناك أناس يتخوفون من شركات الأدوية العالمية (وترتيبها الثانى فى حجم الأرباح بعد صناع السلاح) التى يسيل لعابها لبيع كميات مهولة من العقاقير لأى مرض يا حبذا لو انتشر فى كل الدنيا ، وبالتالى ينشرون أخبارا مزعجة عن خطورة التطعيم فضلا عن خطورة المرض ، وسرت شائعات بأن الطعم المصنع يسبب أمراضا خطيرة لاحتوائه على مواد ضارة بالصحة ومن ثم تدعو الناس إلى الامتناع عن التطعيم

وزراء الصحة العرب ليس بإمكانهم أكثر مما فعلته أنا هنا فى آخر هذا المقال ، أى النقل والترجمة من المصادر الدولية ، ومع ذلك لم نجد سياسة أو خطة واضحة مجابهة الكرب القادم ، ما زالت هناك حيرة بين إغلاق المدارس أو فتحها ، وبين منع السفر للحج والسماح به ، وبين إعطاء الطعم والعلاج بالمجان أو بيعه .. إلى آخره ، النكتة أن هذه المصادر لا تعطى حلولا أو سياسات وإجراءات محددة ، نشرات الأمم المتحدة تقول إن إغلاق المدارس يمكن أن يؤدى إلى تخفيض عدد الإصابات بنسبة 50% بشرط أن يكون إغلاقها قبل أن تصل نسبة الإصابات فى عموم المجتمع إلى واحد فى المائة ، فإذا تعدت هذه النسبة لن يكون للإغلاق تأثير يذكر ، ثم إن هناك مضاعفات اجتماعية واقتصادية نتيجة إغلاق المدارس وعلى كل حكومة أو إدارة دراسة ظروفها واتخاذ القرار المناسب لها ، ولذلك تقع السلطات الصحية والتعليمية فى مأزق سببه عدم التدبير لمواجهة الكوارث من أى نوع

الآن أدعو القراء مباشرة إلى هذين المركزين العالميين:

مركز CDC عبارة عن عدة مراكز متخصصة فى مكافحة الأمراض والطب الوقائى وعنوانه: 

http://www.cdc.gov/

وعنوان الموقع الإخبارى عن أنفلونزا الخنازير  (Swine Flu / H1 N1) هو:

http://www.cdc.gov/h1n1flu/

طبعا لابد من معرفة اللغة الانجليزية لمتابعة الأخبار ، لكن الأسلوب فى رأيى مناسب لعموم القراء وليس الأطباء وحدهم

والمركز ، وهو تابع للحكومة الأمريكية ، لديه سجلات كاملة عن كافة الأوبئة وتاريخها لأكثر من مائة سنة فى جميع أنحاء العالم حتى المتوطن خارج الولايات المتحدة ، وهو مرجع لكل أطباء العالم ومنذ ظهور الموقع على الإنترنت يتابعه ملايين الأطباء ، ويمكن أن نشبهه بمكتبة الكونجرس ولكن فى اختصاصه

يتم تحديث الأخبار والبيانات أسبوعيا وبه سجل أبجدى للأمراض المعدية والأوبئة على وجه الخصوص يحتوى على كافة المعلومات المتوافرة لدى المراجع الصحية الأمريكية ومراكز البحوث العالمية ، مع سجل المراجع العلمية لكل موضوع

هناك موقع مشابه لمتابعة الأمراض والأوبئة تابع لمنظمة الصحة العالمية وعنوانه:

http://www.who.int/en/

 وبه قسم خاص لمتابعة أخبار أنفلونزا الخنازير عنوانه:

http://www.who.int/csr/disease/swineflu/en/

ويتم تحديثه أسبوعيا أيضا

بما أننا نتحدث هنا عن التطعيم وليس المرض نفسه فسأقصر حديثى عن آخر مستجدات التطعيم مستمدة من الموقعين:

يقول المركز الأمريكى أن الطعم لم ينتج بعد ، وينتظر إنتاجه خلال هذا الخريف ليكون متوفرا بالأسواق خلال موسم الشتاء 2009 – 2010

أمان التطعيم والمضاعفات المحتملة:

1. احتمال ظهور أعراض جانبية بسيطة كالصداع والقئ أو احمرار وتورم فى منطقة الحقن ، وقد تستمر ليوم أو اثنين 

2. احتمال الحساسية من الطعم: نادرة الحدوث وأعراضها تورم بالوجه وصعوبة التنفس وتعامل معاملة الحساسية من أى دواء آخر بالمستشفى ، وهذه الأعراض تحدث عادة للأشخاص المصابين أصلا بحساسية ضد بيض الدجاج المصنع منه الطعم وعليه يجب عليهم الوقاية بطرق أخرى غير التطعيم

3. احتمال الإصابة بأمراض أخرى: نادر الحدوث ، وتشير كافة الأبحاث إلى عدم وجود علاقة بين التطعيم والإصابة بأمراض أخرى غير بحث واحد أشار إلى زيادة احتمال الإصابة بنسبة واحد فى المليون بمرض جيليان بار سيندروم (متلازمة الضعف العصبى العضلى) بناء على ملاحظة وباء أنفلونزا الخنازير الذى انتشر عام 1976 ، بينما لم تسفر الأبحاث اللاحقة عن وجود علاقة ما بين التطعيم والمرض

4. خطورة المواد المضافة: التيروميزال

يقول المركز أن التيروميزال مادة حافظة آمنة وسبق استعمالها فى طعوم أخرى ، وأن هناك نوعين من الطعم المتوقع إنتاجه: أحدهما بالحقن وهذا يمكن أن يعطى على مراحل ويحتوى على مادة التيروميزال لكى تمنع تلف الطعم بعد فتح العبوة أول مرة ، والثانى بخاخ أنفى وهذا لا يحتوى على تلك المادة لأنه يستعمل لمرة واحدة ، أما المادة الحافظة نفسها فليست ذات خطر وأشارت الأبحاث إلى سلامة استخدامها وأنه ليس له علاقة بالإصابة بمرض التوحد ، وأن آلاف المصابين بهذا لمرض لم يسبق لهم التطعيم

5. تطعيم الحوامل: تقول الإحصائيات أن معدل احتياج الحوامل لدخول المستشفى أعلى منه فى بقية الأشخاص ، بالإضافة إلى أن 6% من الوفيات المؤكدة بسبب المرض كن حوامل بينما يبلغ متوسط نسبة الحوامل فى المجتمع 1% فقط ، لهذه الأسباب تحتاج النساء الحوامل إلى الوقاية أكثر من غيرهن ، والوسيلة الفعالة الوحيدة للوقاية هى التطعيم ، غير أن هناك تحفظا واحدا هو أن تطعيم المرأة الحامل يجب أن يكون عن طريق الحقن لأنه يحتوى على جزيئات من فيروسات ميتة لا تسبب المرض بينما لا يجب إعطاؤها الطعم الأنفى حيث أنه يحتوى على فيروسات حية مضعفة ولا ينصح به للحوامل وإنما يمكن أن يعطى بأمان للأشخاص الأصحاء الذين تتراوح أعمارهم بين عامين وخمسين عاما من غير الحوامل

موقع منظمة الصحة العالمية يذكر أيضا أنه حتى الآن لم يتم إنتاج الطعم ، وحيث أن الفترة اللازمة لتصنيع أى طعم هى ستة أشهر من وقت اكتشاف الفيروس وحيث أنه فيروس أنفلونزا الخنازير تم اكتشافه فى أبريل 2009 فمن المتوقع التوصل إلى تصنيع الطعم فى أكتوبر 2009

وينصح الموقع تطعيم العاملين بالمجال الصحى كفئة أولوية نظرا لتعرضهم أكثر للعدوى ولمنع انتشار المرض عن طريقهم

يشترك الموقعان فى أن الموازنة بين أخطار المرض وأخطار التطعيم تحسم بالتأكيد لصالح التطعيم كأحد الوسائل الفعالة لمكافحة المرض ومنع انتشاره ، وأنه يجب استخدامه حال توفره

يشترك الموقعان أيضا فى الإشارة إلى أهمية اتخاذ الإجراءات الوقائية العادية كالاهتمام بالنظافة الشخصية والنظافة العامة وتجنب القرب من الأشخاص المصابين بأعراض الأنفلونزا مثل العطس والسخونة ، والعلاج فى حال الإصابة باستخدام العقار المضاد

أضيف حقيقة علمية لطمأنة الناس وهى أن هذا المرض لكونه نوع من الأنفلونزا ينتقل بالتالى بنفس الطريقة أى عن طريق الرذاذ وليس الهواء ، بمعنى أن الفيروس ينتقل مع الرذاذ المتناثر أثناء العطس وأقصى مدى له هو متر واحد من الشخص المصاب ، ولا يتلوث الهواء أبعد من ذلك ، فإذا كنا داخل طائرة أو باص أو قاعة وعطس أحدهم فى آخرها لن ينقل العدوى لمن فى أولها .. مستحيل ، الفيروس لا يتحرك ولا يسافر وليس له أجنحة ولا يطير فى الهواء ، يلزمه تلك الدفعة القوية الحادثة أثناء العطس لكى يصل إلى شخص آخر  

بقى أن أشير إلى أهم نقطة فى الموضوع

من أين وقد رأينا أن الطعم لم يتم إنتاجه إلى اليوم تأتى هذه القصص عن اكتشافات الخطورة وقرارات إيقاف الاستخدام والمؤامرات العالمية والتواطؤ الدولى لقتل الشعوب؟

مساء الخير .. 

الأحد، 27 سبتمبر 2009

عيد سعيد


عيد سعيد وكل عام وأنتم بخير
هذه هى أفضل ما يمكن أن يقال من كلمات هذه الأيام .. أهديها لكل من يقرأ هذه السطور ولكل الحبايب فى كل مكان 
العيد هذا العام مختلف .. أما لماذا فليس لأسباب شخصية بالمرة ولكن لملاحظة أننا قضينا شهر رمضان هذه المرة دون مناظر الضرب والحرب والغارات الجوية ليلا ونهارا مما تعودنا عليه فى سنوات طويلة سابقة .. هل لهذا الاختلاف علاقة بالتغيير داخل البيت الأبيض؟
مساء الخير .. 

الأحد، 23 أغسطس 2009

الصيادون يصطادون القراصنة

وصل إلى السويس اليوم الأحد 33 صيادا مصريا نجحوا في استعادة السيطرة على مركبي صيد اختطفها قراصنة صوماليون منذ أربعة أشهر بعد أن استولوا على أسلحة القراصنة واحتجزوا ثمانية منهم 
لقى الصيادون المصريون استقبال الأبطال لدى عودتهم إلى مصر اليوم ، وتم تسليم القراصنة للسلطات المصرية 

خرجت السفن منذ الصباح الباكر لاستقبال المركبين في عرض البحر ، وأقيم سرادق كبير لاستقبال الصيادين فى ميناء الأتكا القريب من مدينة السويس وعلقت لافتات ترحيب عليها "أهلا بأبناء مصر الأبطال" وأطلقت الزغاريد وعزفت الموسيقي احتفالا بعودتهم 
أكد الصيادون العائدون أن القراصنة كانوا يعاملونهم معاملة سيئة ، وأنهم اتفقوا فيما بينهم على المغامرة بمواجهة الموقف بالقوة وأعدوا خطة للاستيلاء على أسلحة القراصنة بينما كان بعضهم نائمين ومن ثم السيطرة على المركبين 


رمضان كريم


كل عام وأنتم بخير 
الصيام عن الطعام يفضل أن يصحبه صيام عن الكلام .. اللهم إنى صائم .. 
رمضان كريم
..

الأحد، 26 يوليو 2009

زحــام يوليـو 2


هل يمكن أن تستضيف مدينة ، أى مدينة ، مليونين من البشر فى شهرين من السنة دون استعداد بالأماكن والخدمات الكافية لاستيعابهم؟
الجواب واضح ، بدون استعداد ستكون النتيجة الزحام والفوضى وتدهور الخدمات الأصلية التى تكفى بالكاد لسكان المدينة الأصليين ومعاناة أهلها والضيوف على السواء 
الإسكندرية شهدت حركة نمو واضحة خلال العقد الأخير ، صحبها حركة تنظيمية تنموية قوية شملت إنشاء طرق جديدة تربط الأحياء الجديدة وتوسعة هائلة لطريق الكورنيش وبضعة كبارى فى أطراف المدينة ربطت المدينة بالساحل الشمالى الذى شهد بناء منتجعات وقرى سياحية على طول الطريق غربا إلى العلمين (90 كم) وافتتاح مطار جديد إلى الغرب فى منطقة برج العرب تحدثنا عنه فى مناسبات سابقة  
بعض المصطافين سعوا إلى الاصطياف بقرى بالساحل الشمالى (التابع لمحافظة مطروح) هربا من زحمة الصيف فى المدينة العريقة ،  واستفادوا من الطرق الجديدة التى قصد بعضها الساحل مباشرة من القاهرة دون المرور بوسط الإسكندرية
لكن قرى الساحل السياحية التى بدأ بناؤها فى الثمانينات أغلقت ساحل البحر حتى العلمين إلا لساكنيها ، لا يوجد كورنيش أو طريق ساحلى عام ، ولذلك لم يمثل نمو الساحل الشمالى أى امتداد عمرانى طبيعى للإسكندرية ولم يفرج أى من أزماتها اللهم إلا بتخفيف الزحام قليلا رغم أنه لازال يعتمد على كثير من مرافق المدينة 
.
داخل المدينة نجد صورا غريبة للاصطياف 
مئات الألوف من الناس ممن يسمون بمصطافى اليوم الواحد يفترشون الشوارع القريبة من البحر ، يأتون من المحافظات المجاورة ، ومن القاهرة فى الصباح مكدسين فى أوتوبيسات وميكروباصات ليتركوها فى آخر الليل وكثيرون منهم لا يتركونها إلا فى صباح اليوم التالى بعد قضاء الليل على رمال الشاطئ بل وفى مياه البحر يسبحون فى عز الليل ..!
طبعا حجم المخلفات الذى يتركه هؤلاء مهول ولا ذنب لمواطنى المدينة فيه ، وفى الصباح التالى تأتى أفواج جديدة تكرر نفس المناظر
لكن المنظر العام للشواطئ به ظاهرة أخرى أغرب ، فمنذ بضع سنوات قررت المحافظة تشغيل الشواطئ لحسابها ولكن دون فرض رسوم مباشرة على الجمهور لتفادى مشاكل كثيرة منها صعوبة جمع الإيرادات بصفة يومية ، فاختارت تأجير الشواطئ لمتعهدين قطاع خاص نظير رسوم شاملة تدفع للمحافظة مقابل إطلاق يد المتعهد فى كيفية إدارة الشاطئ بدءا من توفير الخدمات إلى تسعيرها ، مع هذا خصصت المحافظة 10% مساحة مجانية من كل شاطئ للجمهور 
النتيجة كانت إحجام الغالبية عن التعامل مع المناطق الخاصة (90%) والتكدس بالمناطق المجانية ، أصبح المنظر مضحكا ، ففى عز الموسم الصيفى تجد أغلب الشواطئ فارغة تقريبا بينما تكتظ المساحات المجانية الضيقة والأرصفة المجاورة بجمهور غفير يأكل على الأرض ويغير ملابسه بعرض الشارع ويرمى مخلفاته بجانبه 
هذا الجمهور لا يفيد المدينة فى شيء مقابل هذا الزحام الفوضوى ، فهم لا يستأجرون شققا ولا يركبون التاكسيات ولا يرتادون المطاعم ولا المقاهى ولا يشترون شيئا من أسواق المدينة ، حتى طعامهم يحضرونه معهم 
أضف إلى هذا عدة أضرار تصيب مواطنى المدينة مباشرة ، الضجيج المستمر بالطبل والزمر والكاسيتات والصياح ، أكوام المخلفات ، إعاقة المرور ، سلوكيات غير منضبطة ، إلى آخره .. 
هناك أيضا ظاهرة غريبة تنظمها نقابات وشركات حكومية ، فبعض مدارس الإسكندرية تحتلها أفواج من المصيفين تستعمل فصولها ومرافقها كسكن مؤقت ، وأصبح منظرا معتادا أن تشاهد حبال الغسيل بين الفصول ينشرون عليها ملابسهم وفى نفس الوقت الإدارة شغالة عادى وتقديم الطلبات عادى والمجموعات الدراسية وفصول التقوية والأنشطة "الصيفية" ومحو الأمية إلى آخره ، كل هذا فى مبانى تحتاج إلى إصلاحات وترميم وصيانة ، وحتى يبدأ العام الدراسى الجديد يكون كل شيء قد هلك ، فوق هلاكه القديم فيدخل الطلاب الجدد إلى مبنى لا يدعو للاحترام فضلا عن الانتماء 
من المعروف عن أهالى الإسكندرية منذ زمن طويل أنهم لا يستمتعون بالبحر إلا فى شهر سبتمبر أى بعد أن يخف الزحام ، لكن الجديد أن هذا الزحام أصبح لا يخف ، فالصيف عند هذا الجمهور يبدأ مبكرا ربما مع شم النسيم فى أبريل إلى أكتوبر ، وما المشكلة إذا كان التصييف يستغرق يوما واحدا لا تعيقه أية ارتباطات أو امتحانات أو نتائج أوأعمال 
أما ليل الصيف فى الإسكندرية فيدعو للعجب ، الزحام بالليل لا يختلف عن النهار ، فالمصطافون ساهرون فى الشوارع ، والسيارات تجوب الكورنيش بسرعات متهورة فى غياب الرقابة المرورية الليلية،  وحفلات حتى الصباح فى كل مكان ، والمدينة أصبحت لا تهدأ ولا تنام ، لا الطالب يستطيع المذاكرة ولا المريض يتمكن من الراحة ولا أحد يذهب إلى عمله فى الصباح فى موعده 
هناك قطاعات فى المدينة شهدت نموا هائلا مثل الفنادق الجديدة والمولات الضخمة التى تجذب المزيد من الجمهور وتزيد من حركته ، وهى مرافق كبرى تحتاج إلى بنية أساسية قوية ، ربما مستقلة ، من كهرباء ومياه وتليفونات ونظافة لكنها تعتمد على مرافق المدينة العادية والقديمة التى لا تتحمل المزيد ، وإذا أضفنا إليها الأبراج السكنية الجديدة ، المخالفة فى معظمها لتنظيمات المبانى الرسمية والقانونية والتى تستعمل نفس المرافق التى مضى على إنشائها عشرات السنين بطاقة استيعاب محدودة نصل إلى مقارنة مزعجة بين طاقة المرافق المتاحة والمرافق المطلوبة  
هذه بعض صور الصيف فى الإسكندرية فماذا تحتاج للتخلص من هذا التخلف والتسيب وعدم الانضباط؟ 
من المؤكد أن جانب كبير من هذه الصور مسئولية الأجهزة الإدارية والتنفيذية على مستوى الدولة والمحافظة ، لكن هناك جانبا سلوكيا مصدره البشر ، ولابد من حل للمصطاف الذى يأتى إلى المدينة معتبرا نفسه فى أجازة من كل شيء حتى الانضباط العام من المظهر إلى الملبس إلى السهر إلى الضجيج إلى النظافة إلى آخره مما لا يجرؤ على مخالفته فى موطنه الأصلى !
مساء الخير .. 

الجمعة، 24 يوليو 2009

زحــام يوليـو

فى شهر يوليو من كل عام عدة تواريخ ومناسبات علمناها وحفظناها
تبدأ التواريخ بالرابع من يوليو ، العيد الوطنى الأمريكى ، ثم الرابع عشر من يوليو ، العيد الوطنى الفرنسى ، ثم الثالث والعشرين من يوليو ، العيد الوطنى المصرى والسادس والعشرين من يوليو عيد الإسكندرية القومى يوم خروج الملك من مصر
أما المناسبات فهى نتيجة الثانوية العامة وأخبار المصايف والمنتجعات والساحل الشمالى والساحل الجنوبى (نعم يوجد ساحل جنوبى هو بحيرة ناصر ) يعنى أخبار الفيضان ومنسوب النيل
يقال أن شهر يوليو سمى باسم الإمبراطور يوليوس قيصر ، وتبعه إمبراطور رومانى آخر بتسمية الشهر التالى باسمه هو الإمبراطور فيليب أغسطس (!)
أما ما يهمنى من شهر يوليو فهو أنه شهر الأجازات ، وكذلك أغسطس طبعا ، والأجازات تعنى مليونان من البشر يفيضون إلى المدينة المظلومة الإسكندرية ، وهم يأتون بغرض السياحة والترفيه ، أهلا وسهلا ، ولكن ، بصراحة ، وهذه الأيام بالذات ، فرغم الترحيب بهم من أصحاب المصالح فى الرواج السوقى ، إلا أن غالبية السكندريين يتنفسون الصعداء برحيلهم ، إذ أن هذه الأغلبية لا ينوبها من أفواج المصيفين غير الصداع والغلاء والزحمة وقلة الراحة
لماذا؟ الأسباب كثيرة .. دعونا نفحصها واحدة واحدة .. ولعل كل منا له وجهة نظره .. ربما نصل إلى حل أو حلول لهذا الأرق
مساء الخير ..
.

الجمعة، 26 يونيو 2009

ملك البوب Pop King


أحدثت وفاة مايكل جاكسون أو ملك البوب ميوزيك كما يسمونه فى الغرب ضجيجا عظيما ودويا هائلا لدى الإعلام والجمهور على السواء
لا أدرى كيف استقبل الجمهور العربى نبأ وفاة المغنى الأمريكى ، لكن المؤكد أن النيأ تم إذاعته فى جميع النشرات العربية مع نقل الحدث كما تناولته وكالات الأنباء العالمية
ولكن لا بأس من قول ما خطر ببالى وقت أن علمت بالنبأ ، الحقيقة أنى لم أشعر بفقدان قيمة فنية عظيمة ولا دور إنسانى هام ولا حتى موسيقى جميلة أو لى معها ذكريات ، ذلك أنى لم أهتم بمتابعة غناء ذلك الشاب منذ أن علا نجمه فى الثمانينات ، ليس لأنى لا أهتم بالموسيقى أو بالفنون بل لأنى لم أستطع تذوق ولا أغنية واحدة مما قدمه رغم استماعى وتذوقى لمعظم الفنون الموسيقية من جميع أنحاء الدنيا
الواقع أن انطباعى عن مايكل جاكسون كان انطباعا سلبيا ، وقد أكون مخطئا فى ذلك فلعل هناك من يصحح لى ، فلم يبد لى إلا مسخا فنيا تبعه مسخ بشرى ، ثم مسخ اجتماعى وأخلاقى ، وبينما كان الشياب الأمريكان والأوربيون يعتبرونه نموذجا للإبداع والحرية كنت أعتبره مثالا لإبداع الشيطان وحرية التفسخ والانحلال 
لقد أحاط مايكل جاكسون نفسه بهالات من الفضائح والعقد النفسية تكفى لإفساد مجتمع بأكمله ، فقد غنى بصوت مخنث ، ورقص رقص المجانين والمشعوذين ، ثم غير لون جلده الأسمر إلى الأبيض ، وغير شكل أنفه ليجعله أكثر دقة ، وارتدى زى الجنرالات العسكرى على المسرح ،  وانخرط فى سلوكيات الشذوذ وطارده البوليس وقدم للمحاكمة فى قضايا انحراف أخلاقى ، وأهدر أموالا طائلة لم يجمعها مغن قبله حتى أفلس وحاصرته الديون!  
وبفرض أن هذا كله لا يهم وأن الفن يغفر الكثير فلا أجد فى فن ذلك الشاب أى شيء يستحق الذكر 
ما يلفت النظر هو ذلك الإقبال الرهيب من جماهير الشباب على مغن لم يمثل قدوة طيبة فى أى شيء ولم يضف أية إضافة إنسانية أو فنية ذات قيمة ، هو فنان شاذ بكل المقاييس لم يحترم لا الفن ولا المجتمع ولا الإنسانية ، ومع ذلك تحقق له ذلك الإقبال وتلك الجماهيرية 
والسؤال هل اقتصر العيب عليه؟ أم شاركه فيه الملايين من الشباب الضائع؟ 
تم استقبال مايكل جاكسون فى عدة عواصم عربية ، ربما كالعادة فى استقبال أى هوس غربى ، وترددت شائعات بكل فخر عن اعتناقه الإسلام!
ترى إلى متى نظل كالببغاوات نردد كل ما تنتجه الحضارة الغربية من صيحات حتى ولو كانت على شاكلة مايكل جاكسون ، لقد تأثر بموجته فعلا بعض المغنين العرب وأصبحوا يقلدونه ومن ورائهم شباب يعتقد أن الحداثة والتطور يستلزمان اتباع كل ما يخرج عن الغرب حتى لو كان تفاهات وحتى لو كان مسخا منفرا ..
مظلوم أيها الفن .. كم من الجرائم ارتكبت باسمك!
مساء الخير ..
 

الأربعاء، 10 يونيو 2009

خرائط أوباما Obama's Maps


من الناحية العملية دعنى أسألك سيادة الرئيس أوباما ما هى الأسس السياسية والجغرافية والتاريخية والأخلاقية التى ستبنى عليها تسويتك القادمة فى الشرق الأوسط؟
القارىء للمعطيات الحالية يقول أن مرجعياتك لابد أن تعتمد على قرارات الأمم المتحدة التى اتفق عليها العالم منذ عشرات السنين ولم تتدهور أحوال الشرق الأوسط إلا بسبب تجاهل تلك القرارات أو رفضها ، بالإضافة إلى محاولات الاتفاق السابقة

1. أول قرار هو قرار تقسيم فلسطين عام 1947 إلى دولة إسرائيل ودولة فلسطينية ووضع مدينة القدس تحت إدارة دولية 

2.    ثانى قرار هو القرار رقم   242 بانسحاب إسرائيل من الأراضى التى احتلتها عام   1967 فى مصر وسوريا والضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية ، وضمان حرية الملاحة فى قناة السويس لجميع الدول بما فيها إسرائيل

هناك مرجعيات أخرى غير تابعة للأمم المتحدة هى:

3. اتفاقية كامب دافيد عام 1979 ، برعاية الرئيس جيمى كارتر ، والتى اقتصرت على الانسحاب من سيناء مقابل إنهاء حالة الحرب بين مصر وإسرائيل

4. الاتفاقية الأردنية الإسرائيلية:
اتفاقية منفردة بين الأردن وإسرائيل لإنهاء حالة الحرب بينهما لكن دون إعادة أية أراض إلى الأردن

5. اتفاقية واى ريفر بين الفلسطينيين والإسرائيليين التى لم تتم ، تحت رعاية الرئيس كلينتون
تقترح انسحاب إسرائيل من أجزاء من الضفة الغربية وغزة وتسليم مدينة القدس لإسرائيل ماعدا المسجد الأقصى

6.     المبادرة العربية التى أطلقتها مؤخرا المملكة العربية السعودية مستندة إلى القرار   242  بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضى المحتلة عام 1967 مع إعطاء إسرائيل ميزة جديدة هى علاقات طبيعية مع جميع الدول العربية وإنهاء حالة الحرب بينها وبين إسرائيل ، ووافقت عليها جميع الحكومات العربية


7.     خطة خارطة الطريق الأمريكية بين الفلسطينيين والإسرائيليين التى قدمت فى عهد بوش الإبن ، مستندة إلى العودة إلى قرار التقسيم عام 1947 بإقامة دولتين إحداهما فلسطينية والأخرى إسرائيلية ولكن مع:
- إضافة جزء من الضفة الغربية المحتلة عام 1967 إلى إسرائيل
- إضافة الأراضى التى احتلت عام 1949 (صحراء النقب) إلى إسرائيل
- تجاهل القرار 242 يشأن الأراضى العربية المحتلة وهى الجولان والقدس الشرقية

لنستعرض الآن بإيجاز هذه المرجعيات ، كيف قوبلت وكيف يمكن أن تساهم فى إيجاد حل لهذه القضية المستعصية
1. ماذا فعل العرب بالقرار الأول؟ لقد رفضوه بالإجماع ، وشنوا حربا عام 1948 ضد إسرائيل
السبب: رفض استقطاع جزء من أراضيهم للمهاجرين اليهود القادمين من أوربا ، لكنهم خسروا الحرب
وماذا فعلت إسرائيل به؟ خاضت إسرائيل الحرب ضد العرب
السبب: الرغبة فى الحصول على دولة لليهود فى فلسطين 

لكن إسرائيل بعد عام واحد قامت بالتوسع بالقوة عام  1949 فى صحراء النقب خارج حدود قرار التقسيم ، والذى لم يدخل فى حدود الدولة الجديدة لا الضفة الغربية ، ولا غزة ، ولا القدس ، ولا صحراء النقب ، وخرقا لاتفاقية الهدنة
الأسباب:
1. الرغبة فى التوسع جنوبا وإنشاء منفذ لإسرائيل على البحر الأحمر
2. فصل المشرق العربى عن مصر والمغرب العربى جغرافيا بإيجاد كيان إسرائيلى غير صديق يمنع الاتصال البرى

2. القرار الثانى: ماذا فعل به العرب؟ لقد قبلوه رغم تحفظهم بأنه غير كاف لحل القضية
وماذا فعلت به إسرائيل؟ رفضت الانسحاب من الأراضى التى احتلتها عام 1967

3. المرجعية الثالثة: اتفاقية كامب دافيد
قبلتها مصر وإسرائيل فقط وتم الانسحاب من سيناء مقابل الاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات ديبلوماسية معها
ماذا فعل بها العرب؟ العرب خارج الاتفاقية ، رفضتها جميع الدول العربية وقطعت علاقاتها بمصر لمدة عشر سنوات إمعانا فى الرفض لأنهم أرادوا استرداد جميع الأراضى العربية المحتلة

4. المرجعية الرابعة: الاتفاقية الأردنية الإسرائيلية
قبلها الطرفان الأردن وإسرائيل وتم إنهاء حالة الحرب بينهما لكن دون إعادة أية أراض محتلة إلى الأردن
ماذا كان موقف العرب؟ خارج الاتفاقية

5. المرجعية الخامسة: اتفاقية واى ريفر بين الفلسطينيين والإسرائيليين التى لم تتم ، تحت رعاية الرئيس كلينتون
ماذا فعلت بها إسرائيل؟ ضغطت لضمان السيادة على القدس بأكملها
ماذا فعل بها الفلسطينيون؟ رفضوا تسليم القدس إلى السيادة الإسرائيلية وقبلوا بقية البنود
ماذا كان موقف العرب؟ خارج الاتفاقية

6. المرجعية السادسة: المبادرة العربية
تنازل جديد قدمه الحكام العرب بالاستعداد للاعتراف بإسرائيل فى حدود عام 1967 وإقامة علاقات طبيعية معها
ماذا فعلت بها إسرائيل؟ رفضتها لسنوات ثم عادت لدراستها لكنها لم توافق عليها

7. المرجعية السابعة: خطة خارطة الطريق بين الفلسطينيين والإسرائيليين برعاية الرئيس بوش الإبن
ماذا فعلت بها إسرائيل؟ أدخلت عليها 14 تعديلا لصالحها ، ولم تنفذ أيا من بنودها
ماذا فعل بها الفلسطينيون؟ قبلها البعض ورفضها البعض لاستقطاعها لأجزاء من الضفة الغربية لصالح إسرائيل
ماذا كان موقف العرب؟ خارج الخطة

ملاحظات هامة:
1. جميع المبادرات الأمريكية الأربع خارج إطار الأمم المتحدة لم تدخل المجموع العربى فى حساباتها وأخرجت العرب من أى اتفاق وقد عمدت كلها إلى إبرام اتفاقيات منفردة بين إسرائيل وأحد الأطراف العربية ، النتيجة بالنسبة لباقى الدول العربية يبقى الموقف على ما هو عليه ، إما خارج الاتفاق وإما رافض له .. موقف لا يساعد على الاستقرار فى الشرق الأوسط ويبقى على حالة التوتر إن لم يتسبب فى إشعالها ، وهى كلها اتفاقيات هشة وهزيلة ولا تمنع اندلاع الحروب وتساعد على انتشار حركات الرفض والتطرف والإرهاب ولعل الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر من عانى من هذه الاتجاهات

2. المبادرة العربية هى مبادرة حكومات ولم تستشر فيها الشعوب العربية صاحبة الإرادة الشعبية ، وعلى ذلك فهى غير كافية لتحقيق السلام الدائم ، إذ ستظل الشعوب تشعر بالظلم والرغبة فى تصحيح الأوضاع
 
3. قرارا الأمم المتحدة فى 1947 و 1967 (242) مكملان لبعضهما ولا يجوز اعتبار أحدهما وتجاهل الآخر لأن كل منهما يختص بقضية مختلفة ، الأول يخص إنشاء دولتين لليهود وعرب فلسطين ، والثانى يخص احتلال أراض خارج نطاق القرار الأول احتلت بالقوة وفى وقت مختلف

4. لم تعد إسرائيل أية أراض احتلتها بالقوة إلى أى بلد عربى إلا تحت ضغط القوة ، وفى حالة واحدة هى أرض سيناء التى أعادتها مرتين إلى مصر ، الأولى تحت ضغط الإنذار الأمريكى السوفييتى عام 1956 والثانية بحرب مصرية لاسترداد الأرض عام 1973
هذا يقودنا مباشرة إلى المبدأ الأخلاقى الذى يمكن أن يعتمد فى تسويات تصلح للاستمرار
هناك عدة شعارات متناقضة أطلقت من أطراف مختلفة من بينها

عدم جواز الاستيلاء على أرض الغير بالقوة
حرية الملاحة فى الممرات المائية الدولية
الأرض مقابل السلام
الأمن مقابل السلام
القدس عاصمة موحدة لإسرائيل
القدس الشرقية عاصمة لفلسطين
تدويل القدس
تقسيم القدس
تهويد القدس
حق إسرائيل فى الوجود
إسرائيل يجب أن تزول
احترام وتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولى
جواز استخدام البند السابع لميثاق الأمم المتحدة لتنفيذ قرارات مجلس الأمن بالقوة
لا دولة بدون حدود
لا حدود بدون دولة
عدم جواز سياسة الأمر الواقع
حق الفلسطينيين فى العودة
حق الشعوب فى تقرير المصير
حق الشعوب فى مقاومة الاحتلال
ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة

5. لم يصدر قرار أممى بشأن استيلاء إسرائيل على صحراء النقب حتى الآن

صحراء النقب هذه مشكلة إن لم تحل سيبقى الصراع على ما هو عليه إلى للأبد ولن تهدأ المنطقة
على عكس مناطق القطاع والضفة والقدس والجولان وجنوب لبنان فإن هذه المنطقة هى أساس اسمح لى فى التعبير "القرف" فى المنطقة كلها ، وهى التى يمكنها أن تؤجج مشاعر الكراهية من جديد فى أى وقت رغم كل الاتفاقات والمعاهدات ، وفى المقابل فإن حلها سيساهم كثيرا فى إرساء أساس دائم للعلاقات بين العرب وإسرائيل ويضمن لها الوجود دون مقاومة
أما لماذا لأنها جغرافيا فصلت دول المشرق العربى تماما عن مصر ودول المغرب وبهذا انطبق على إسرائيل التعبير الذى يستخدمه جميع الوطنيين العرب بأن إسرائيل هى شوكة فى الجسد العربى

أخيرا يا سيادة الرئيس نحن نطالب بمطالب منطقية وشرعية لا تخرج عن تنفيذ قرارات الأمم المتحدة:
  1. جلاء إسرائيل عن صحراء النقب تنفيذا لقرار التقسيم عام 1947 وإعادة الاتصال الجغرافى بين شرق العرب وغربهم كما كان لآلاف السنين ، أما كيفية تنفيذ ذلك فيترك للخبراء ، ومن المؤكد أن هناك الكثيرين منهم
هذا المطلب يجب أن يؤخذ فى الاعتبار فى أى اتفاق بين العرب وإسرائيل ، وهذا هو أهم مطلب فى أى تسوية لأنه الوحيد الكفيل بضمان استمرارها ويمنع نشوب الحروب فى المستقبل
  2. دولة فلسطينية متصلة فى الضفة الغربية وغزة وصحراء النقب تنفيذا لقرار التقسيم
  3. دولة إسرائيلية فى حدود قرار التقسيم لعام 1947
  4. تقسيم القدس إلى شرقية تابعة للدولة الفلسطينية وغربية تابعة لإسرائيل
  5. إعادة الجولان المحتل إلى سوريا
  6. إعادة ما تبقى من أراضى لبنان للسيادة اللبنانية
  7. نزع سلاح إسرائيل النووى

  8.           إنهاء حالة الحرب وإقامة علاقات طبيعية بين الدول العربية وإسرائيل فى حدود مستقرة وآمنة ومعتمدة من الأمم المتحدة
  9. أن يتم الاتفاق فى إطار من الشرعية الدولية داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى تلتزم به كل الأطراف
10. استخدام البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة ضد أى طرف يرفض الالتزام بقرارات مجلس الأمن الدولى بما فى ذلك إسرائيل

هذه المطالب ليست سوى تنفيذ قرار الأمم المتحدة بشأن الدولتين الصادر عام 1947، ولم تختلف إلا فى استبدال تقسيم القدس بتدويل القدس ، وقرار مجلس الأمن رقم   242 لعام 1967 وهى القرارات الذى تضم فى مضمونها كل الجهود السابقة المجزأة لإرساء السلام فى الشرق الأوسط

أما اختزال الصراع إلى مشكلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين فهو فكرة خائبة ولن تحل شيئا وسيدعو دولا مثل إيران وسوريا إلى إبقاء حالة الحرب وإلى دفع منظمات كحزب الله وحماس والجهاد والقاعدة إلى إشعال الحروب فى المنطقة وربما فى غيرها ، هذه المنظمات لم يفرزها إلا سلوك إسرائيل ودعم الولايات المتحدة المتواصل لها على حساب العرب والمسلمين وضد مصالحهم وكرامتهم ، كما قد يؤدى إلى عدم الاستقرار فى دول أخرى وربما تظهر نظم جديدة تتبنى التطرف

المستوطنات وحدها مع كل الاحترام لاتجاهكم لوقفها أو إزالتها ليست كل القضية ولن تكفى إزالتها لحل دائم مستقر ، إذ ستبقى هناك أراض عربية محتلة وشعوب تشعر بالظلم وترفض الاستسلام وسيظهر من السياسيين من يستخدم هذا الوضع للوصول إلى الحكم ، والواقع أن فوز حماس فى الانتخابات لم يأت إلا من هذا الطريق ، فلعلنا ننظر إلى المستقبل بطريقة شاملة ونبحث عن الوسائل الكفيلة بحل الصراع من جذوره 

سيادة الرئيس أوباما وكل رئيس أميركى قادم .. مطالبنا  ليست أكثر من تطبيق قرارين دوليين للأمم المتحدة  أيدتهما الولايات المتحدة هما قرار 1947 والقرار 242 لسنة 1967 ، ولسنا بحاجة  إلى أية مشروعات جديدة أو حلول تبتعد عن هذين القرارين أو تتجاهلهما ، هذا إذا أردنا الاستقرار الدائم وحلول السلام الحقيقى فى الشرق الأوسط  
بقى أن ندعو الله بالتوفيق
والله الموفق 

متناقضات أوباما Obama's Paradoxes


على راى المثل الشعبى المصرى : أسمع كلامك يعجبنى ، أشوف أمورك أستعجب"
لا أدرى هل بإمكان الأمريكان ترجمة هذا المثل؟
عبر كثيرون عن إعجابهم وقبولهم بالخطاب الأمريكى للعالم الإسلامى من القاهرة خاصة أن الرئيس الأمريكى حرص على مخاطبتنا بلغتنا وبديننا وبقرآننا وبتاريخنا ، وبآلامنا فى الماضى والحاضر ، وبآمالنا فى الغد والمستقبل

تعالوا نحلل سويا فى هدوء خطاب هذا الرجل منطق بمنطق
الخطاب فى منتهى الدبلوماسية ، وهو حرفيا كذلك أيضا ، وقد أمسك فيه بميزان حساس ليرسى عدة توازنات فى الرأى الأمريكى فى القضايا المختلفة بحيث تشترك التوجهات السياسية الأمريكية فى مفتاح واحد معلن هو "التوازن" .. من وجهة نظره طبعا

فهو إن ذكر معاناة الشعب الفلسطينى الحالية يذكر معاناة الشعب اليهودى السابقة
وإن طالب إسرائيل بوقف الاستيطان يطالب الفلسطينيين بوقف المقاومة
وإن اعترف بخطأ الإدارة السابقة فى حرب العراق يبرر الحرب باعتقاده أن أحوال الشعب العراقى أفضل منها فى عهد صدام حسين
وإن برر احتلال أفغانستان يتمنى أن تعود قواته اليوم قبل الغد
وإن أنشأ حربا أهلية فى باكستان يذكر أنه يرسل بالمساعدات الإنسانية للمتضررين من الحرب
وإن اعترف بالتوتر الشديد بين أميركا والعالم الإسلامى يلقى باللائمة على الحروب الصليبية وحركة الاستعمار القديم والعولمة ، ويعد بالمساعدات الأمريكية لتعويض هذه الشعوب عما أصابها من تخلف بسبب سياسات الغرب الأنانية بمعاونتها فى تحقيق التقدم
وهكذا ..
ونعود لنقول أن الخطاب خطاب ديبلوماسى فى المقام الأول ، وهو حديث مكتوب ومرتب بعناية فائقة
لكن هناك عدة أسئلة منطقية
1. هل ظهر فجأة فى أمريكا من هو على دراية بالتاريخ ليعدد لنا مزايانا التاريخية فى مسيرة الحضارة الإنسانية؟ هل بقية النخبة المثقفة لا يعلمون شيئا عن هذا؟
الجواب لا بالطبع ، ليس فقط من باب المعلومات العامة أو التاريخية بل داخل الجامعات ومراكز البحوث كل شي مكتوب ومسجل ومعروف ومدروس ، الفرق فقط هو الاعتراف به علنا وعلى المستوى السياسى
2. هل هو جديد أن ينادى الرئيس الأمريكى الجديد بفكرة الدولتين؟ ألم يطلقها بوش نفسه خلال ولايته الأولى؟ ألم ينص عليها قرار الأمم المتحدة عام 1947 المعروف بقرار التقسيم؟
3. هل إيقاف المستوطنات فكر جديد؟ ألم يذكر الرئيس أن المستوطنات الحالية تخالف جميع الاتفاقات والتعهدات السابقة؟
4. هل من الجديد إعلان القناعة الأمريكية بأن التطرف الإسلامى العنيف هو حركة أقلية من الأفراد تمثل نقطة فى محيط هائل من المسلمين المسالمين الأبرياء؟ ألم يعلن هذا بوش بنفسه؟ ومع ذلك جند إدارته لحرب الشعب الأفغانى والعراقى والفلسطينى واللبنانى؟
5. من الذى خلق الحركات المسلحة فى أفغانستان؟ أهم المسلمون أم الأمريكان؟ ألم تنشئ أميركا تلك الحركات من أجل مقاومة الاحتلال السوفييتى؟ ثم عندما انقلب السحر على الساحر راحت أميركا تناصب كل المسلمين العداء وتجر معها أوربا؟ ثم قامت باحتلال أفغانستان بدل السوفييت؟

لهذا يعلق كثير من المسلمين والعرب بأن المواقف رهن الأفعال ولا يمكن تصديق كلام يتم فعل عكسه على الأرض
دعونا نقول للرئيس الجديد أن خطابك يا سيادة الرئيس خطاب ديبلوماسى يمكن قبوله على لسان أحد وزرائك أو سفرائك كما يحدث فى كل المناسبات الديبلوماسية .. عادى .. ولا يعقل بالطبع أن تأتى إلى منطقة بينك وبينها عداء لتنفخ فى النار .. هذا هو الكلام الذى يجب أن يقال ، الاحترام المتبادل وحقوق الإنسان وكل شعارات النوايا الطيبة

لكن الرؤساء يا سيادة الرئيس ليسوا وزراء وليسوا سفراء
الرؤساء لديهم سلطات ، ويتخذون قرارات
الرئيس الأمريكى ترومان كتب فى اليهود ما كتب ولم يخف نقده لهم ، ولكنه قرر الاعتراف بدولة إسرائيل بعد إعلانها بنصف ساعة ، ربما لأنه فكر بفائدتها فى إبعاد اليهود عن أمريكا؟
ونفس الرئيس قرر ضرب اليابان بالقنابل الذرية ، ولم تكفه القنبلة الأولى فأمر بالثانية
الرئيس أيزنهاور أجبر بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على الانسحاب من سيناء وقناة السويس
الرئيس كينيدى قرر حصار كوبا وحفز قوته النووية لاستخدامها مالم يتم سحب الصواريخ السوفييتية ، وتم له ما أراد
الرئيس نيكسون قرر مصالحة الصين بعد طول عداء ونفذ قراره
الرئيس كارتر أراد وقف الحرب بين مصر وإسرائيل وأتم معاهدة سلام انسحبت بموجبها إسرائيل من سيناء وأزالت مستوطناتها
الرئيس بوش الأب قرر تحرير الكويت من قوات صدام حسين وحشد لها القوات الأمريكية وقوات من عشرات الدول تحت البند السابع ، وتم له تحرير الكويت
الرئيس بوش الإبن قرر غزو أفغانستان وغزو العراق واحتلالهما ونفذ قراره رغم معارضة المجتمع الدولى وبدون استخدام البند السابع ، وقرر أن يعيد الشعب العراقى إلى العصر الحجرى وقد فعل

ونحن ننتظر منك قرارات حاسمة وليس خطابات وكفى
لقد قلت أنه لن يمكن لأميركا أن تعمل وحدها وأننا يجب أن نعمل معا
أوكى .. ما الذى ما تتوقعه منا؟ ليس أمامنا مع تحجر العقلية السياسية الإسرائيلية إلا أحد حلين ، إما أن نقاتل أو أن نستسلم
هل يجب على العرب والمسلمين محاربة إسرائيل واستعادة الأرض المحتلة بالقوة كما فعل المصريون فى 1973؟ هل ستسمح دولتك بذلك؟ هل يمكن لأميركا أن تنتظر انتصار العرب دون تدخل بالسلاح والعتاد والذخيرة والجسور الجوية لإسرائيل؟ هل ستقول أن تلك الأرض حق العرب ودعوهم يحصلون على حقهم المغتصب بالقوة كما أخذت منهم بالقوة؟ هل ستتركنا فى حالنا؟

الغريب أن الولايات المتحدة تسكت تماما لو أن إسرائيل هى التى تشن الحرب وتحتل الأرض وتدمر المدن وتقتل وتشرد العباد وتسكن فى مساكنهم! هذا إن تفضلت بالسكوت ولم تسارع بالتأييد والعون والتبرير
الكل يعلم أن مخافة التدخل الأمريكى هى التى تمنع العرب من استرداد حقهم بالقوة وليست مخافة إسرائيل كما يحلو للإسرائيليين أن يصوروا الأمر للأمريكان ، وهذا هو سر عدم تحرير تلك الأراضى للآن ، ليس فقط بإمداد إسرائيل بكل شيء من الإبرة للصاروخ قبل الحرب ولكن أثناء الحرب أيضا
فى حرب 1967 كانت سفينة التجسس الأمريكية ليبرتى تقف قبال الشاطئ المصرى لتفك الشفرة العسكرية المصرية وتجمع المعلومات عن القوات المصرية لتهديها لإسرائيل
وسبق ذلك تصوير مواقع المطارت الحربية المصرية بطائرات التجسس الأمريكية التى لم تكن إسرائيل تملك مثلها وباسخدام جواسيسها المباشرين وإهداء صورها لإسرائيل
وفى حرب 1973 كانت طائرات الاستطلاع الأمريكية هى التى صورت ثغرة الدفرسوار وأهدت صور ميدان القتال إلى القوات الإسرائيلية أثناء الحرب
وأثناء القتال أيضا رفعت حالة الاستعداد فى الأسطول السادس الأمريكى الذى اقترب جدا من السواحل المصرية .. لماذا؟
وأثناء العدوان الإسرائيلى القريب على غزة المحاصرة المعزولة أسرعت القيادة الأمريكية بإرسال الذخائر من قواعدها حول العالم للإسرائيليين بينما هم يقصفون المدنيين المساكين الذين تركوا بيوتهم المهدمة للاحتماء بمبانى الأمم المتحدة الى قصفت أيضا

إذا لم يكن سيناريو الحرب ضد إسرائيل مقبولا فما هو السيناريو المقبول؟ أن يوقع العرب وثيقة استسلام دون قيد أو شرط تضيع معها الأرض ويذهب اللاجئون للجحيم بعد معاناة عشرات السنين؟

إن المسألة الفلسطينية ليست إنسانية فقط
لقد حارب المصريون من أجل استرداد سيناء ولم تكن بها مأساة إنسانية ، المأساة فى نظرنا كانت فى ضرب مصر بالطائرات والصواريخ الأمريكية واحتلال جزء من أرضها ، والمأساة كانت كرامة وسيادة أصحاب الأرض قبل أن يكون لدينا لاجئين أو أناس فى المخيمات لعشرات السنين

إن الذين ضحوا بحياتهم فى الحروب مع إسرائيل لا يعيشون بيننا الآن ولم ينعموا بالعيش فوق الأرض التى قاموا بالنضال من أجلها ، الحياة الأفضل أحيانا هى الموت نفسه ، لكن بلادك أيها الرئيس لا تسمح لنا بمجرد التفكير فى هذا الشرف ، لا تسمح لنا حتى بالموت فى سبيل الحق ، لكنها تسمح بموت أبنائنا المهين على يد الإسرائيليين بالقنابل الفوسفورية وحرق الأطفال بقنابل النابالم لا مشكلة!

يعنى كيف يمكن قبول أوضاع مغلوطة كهذه؟ إن استخدام الفيتو ضد كل قرار أممى يحاول رفع الظلم عن أبناء فلسطين يوجه لنا رسائل غريبة ، لا تحارب إسرائيل ولا تقتل إسرائيليا ولا تعادى الدولة الإسرائيلية ولا تنتقم منها ، لكن إذا حاربتك إسرائيل أو قتلت أبناءك فهذا دفاع عن النفس؟ ضد ماذا؟ ضد أناس مسلمون أمرهم لله لا يريدون إلا حقهم الطبيعى فى حياة كريمة على أرضهم كبقية بنى البشر؟ ضد شعوب احتضنت اليهود لقرون طويلة بعد تشريدهم وطردهم من أوربا ، ويشهد التاريخ واليهود أنفسهم على أن سكان الأندلس الذين عاشوا مع العرب فى سلام ظلوا يطاردون لقرن كامل فى أسبانيا بعد رحيل العرب حتى وإن أخفوا يهوديتهم ، ثم اضطروا إلى ترك أوربا كلها إلى بلاد العرب حيث التسامح والسلام ، تشهد على ذلك بلاد المغرب ومصر والشام وعاشوا فيها دون أى تمييز أو تفرقة؟

أعجبتنا محاضرتك القيمة عن تعايش الأديان ، لكن إذا كان هناك شيء بهذا الاسم فنحن الذين اخترعناه ، ونحن الذين مارسناه
وقضيتنا يا سيادة الرئيس ليست مع اليهود ولا مع الديانة اليهودية ولا مع المسيحيين وديانتهم ، ديننا يعلمنا أن "لكم دينكم ولى دين"
وفى التعايش السلمى نحن لنا باع وتاريخ ، ولابد أنك تعلم كما يعلم اليهود أنفسهم كيف كانوا يعيشون ويعاملون فى مصر حتى قيام إسرائيل ، كانوا أصحاب مال وجاه وانخرطوا فى الحياة الاجتماعية المصرية لم يشعر أحد بكونهم يهودا ، بل كان منهم التجار الكبار والأطباء المميزين والفنانين المشهورين ، وما زالت أسماؤهم تتردد فى مصر إلى يومنا هذا بكل فخر ودون أية ضغائن ، وقد حققوا كل هذا داخل مجتمع مسلم ، وكذلك كان حال المسيحيين المصريين ولليوم ، ولم يكن ذلك إلا بسبب أنهم يعيشون فى مجتمع متسامح يقبل الآخر ويحرص على حقوق الإنسان دون تمييز ، هذا كله نسفته إسرائيل العدوانية التوسعية التى جعلت شعارها الدولة الإسرائيلية من النيل إلى الفرات .. هم الذين بدءوا العدوان وهم الذين أوصلوا الشرق الأوسط إلى الكوارث والنكبات ، وأيدهم الغرب فى كل خطوة ، جميع دول الغرب بلا استثناء ولا أقول أميركا فقط

ومن الطبيعى أن نعجب بالنظام الأمريكى الذى تستشهد لإنصافه بأنه منحك الفرصة لتكون رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، لكنك لا تنسى أن ذلك لم يأت من فراغ وإنما بنضال من سبقوك على طريق تحقيق الحريات وحقوق الإنسان ومعاناة أجيال من التفرقة العنصرية البغيضة فى الولايات الأمريكية إلى عهد قريب

ولا أدرى لماذا تذكر لنا يا سيادة الرئيس محرقة اليهود؟ هذه قصة خارجة تماما عن سياق الصراع العربى الإسرائيلى وعلاقة الإسلام بالغرب ولا أدرى لماذا تحشر فى موضوع كهذا؟
يعنى مالنا ومال هذه القصة؟ وما دخلنا إن كانت حقيقية أم وهمية؟ نحن لم نكن طرفا فيها وبالتالى ليس علينا تجاهها أية التزامات بالمرة ، من ارتكب هذا الجرم عليه وحده تحمل تبعاته وقد دفع ثمنه الشعب الألمانى وانتهى الأمر

يلخص الكثير من الناس سياسة أمريكا فى هذه المنطقة وفى كل منطقة فى عبارة واحدة هى سياسة الكيل بمكيالين أو سياسة المعايير المزدوجة ، وهذه السياسة بعينها هى التى تفقد أميركا أصدقاءها وتفقدها مصداقيتها واحترامها وتزيد من شعور الناس بالظلم والأسى ، وقديما قيل المساواة فى الظلم عدل ، فإن ساويتم بين الناس حتى بالحصار فقد يقبلونه ما دام قد خلا من التمييز
 
وبعد فإن خطابك الملئ بالقيم الأخلاقية الرفيعة ، وأولها المساواة فى الحقوق والكرامة يبعث فينا الأمل بقيام عهد جديد فى السياسة الأمريكية ، اليوم ننتقد لأننا تحكمنا ظلال الماضى ، وأملنا أن نكون غدا من المباركين والمناصرين لكم ولإدارتكم ولشعبكم ، وأن تكون بلادكم عونا للشعوب وحصنا للمبادئ ومساهمة فى إعلاء شأن الإنسان كما كانت حضارات العالم القديم